الكتاب المقدس

صبر أيوب في المحنة

سألتُ قلبي أن يصمتَ، حتى أمام الظالم. أطبقتُ شفتيّ في حضرة المنافقين، فصمتُّ صمتَ الحجر تحت وطأة المطر. لكنّ الصمت في داخلي تحوّل إلى نار، اشتدّ أوارها في عظامي، حتى لم أطقْ حمْلَها. فانفتح فمي وانهمر الكلام:

“عرّفني يا ربّ نهايتي، ومقدار أيّامي، لأعلمَ كم أنا زائل. هوّنتَ أمامي أيّامي كشبر، وعمري كلا شيءٍ أمامك. إنما الإنسان كظلٍّ عابر، كالدخان يتصاعد من الموقد ثم يتبدّد. يكدّ ويُتعب نفسه عبثاً، يكدس مالاً ولا يدري لمن يجمعه.”

فوقفتُ عند هذا الحدّ، ورفعتُ عينيّ نحو السماء. قلتُ: “والآن، فما رجائي يا ربّ؟ انتظارُك أنت. من كلّ ذنوبي نجّني، ولا تجعلني عاراً عند الجاهل. قد سكتّ فلم أفتح فمي، لأنّك أنت الذي صنعتَ هذا. اكشف عني ضربتك، فقد ذَبُلتُ من جلْدَةِ يدك.”

وتذكّرت أيّامي كأنها سراب في قفر. كالقشّة تحملها الريح، وكالندى على أوراق الشجر يتبخّر مع أولّ شعاع للشمس. صرختُ في سري: “اسمعْ صراخي يا ربّ، ولا تصمْ أذنيك عن دموعي. فأنا نزيلٌ عندك، كجميع آبائي. اقبضْ عني نظرك فأبتسم، قبل أن أذهب ولا أعود.”

وظلّلتُ ساجداً حتى انتصف الليل، أتذكّر قول المرنم: “اسمعْ صلاتي يا ربّ، وأنصتْ إلى صراخي، ولا تَسْكُتْ عن دمعي.” وعلمتُ في أعماقي أنّه ما من حزن يدوم تحت جناحيّ الرحمن، ولا ظلمة تبقى أمام نور وجهه. فكان قلبي يردّد: “ثقْ بالربّ من كلّ قلبك، وعلى فهمك لا تعتمد. في كلّ طريقك اعرِفه، وهو يهيّئ سبيلك.” وهكذا أدركتُ أن الزوال لم يُعطَ لنا لنيأس، بل لنتعلّق بالذي لا يزول.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *