كان الرجل العجوز جالساً على عتبة بيته الطيني، تلامس قدماه التراب الدافئ، بينما تغرب الشمس خلف الجبال البعيدة مطلية السماء بألوان العسل والأرجوان. تنهد بعمق، وشعر وكأن سنوات عمره السبعين ترقد على كتفيه كحمل ثقيل. في تلك اللحظة، سمع صوتاً داخلياً يهمس: “يا نفسي، باركي الرب، ولا تنسي كل حسناته.”
رفع رأسه نحو السماء المتلألئة بنجوم بدأت تظهر واحدة تلو الأخرى، وكأنها شموع تضيء طريق الذكرى. تذكر أيام الشباب حين كان راعياً للأغنام في البرية. كم مرة شفي من الحمى التي كادت تفتك به، وكم مرة نجا من الأفاعي والعقارب في طريقه. قال بصوت خافت يختلط مع حفيف أوراق الشجر: “الذي يغفر كل ذنوبك، الذي يشفي كل أمراضك.”
كانت عينا الرجل تلمعان بالدموع وهو يسترجع ذكريات رحمة الله التي أحاطت به كالجبال من كل جانب. تذكر ذلك اليوم العصيب حين ضلّت أغنامه في العاصفة الرملية، وظل أياماً بلا طعام ولا شراب، حتى هداه الله إلى بئر ماء قديم أنقذه من الموت المحقق. “الذي يفدي من الحفرة حياتك، الذي يكللك بالرحمة والرأفة.”
بدأت نسيمات الليل تحمل عبير الزهور البرية، فتذكر كيف كان الله يلبسه البر والعدل كالثياب الفاخرة، وكيف أشبعه في سنوات القحط بالخيرات حتى عاد شبابه كالنسر. ابتسم وهو يتذكر زوجته الراحلة، وكيف بارك الله زواجهما رغم الفقر والعوز، ورزقهما بأبناء صالحين.
“الرب رحوم ورؤوف، طويل الروح وكثير الرحمة.” همس الرجل وهو يشاهد القمر يعلو فوق الجبال، مذكراً إياه بأن رحمة الله بعيدة عن الأرض كما السماوات، لكنها قريبة إلى قلوب التائبين.
سحب العجوز غليونه من جيبه وأشعله بيد مرتعشة، وتذكر كيف علمه والده أن رحمة الله لا تعاملك حسب خطاياك، بل تزيل ذنوبك كما تبعد المشرق عن المغرب. كم مرة أخطأ في حق جيرانه، وكم مرة قصر في حق أسرته، لكن الرحمة الإلهية كانت تتلقفه كل مرة كأم تحتضن طفلها الضال.
“لأنه يعرف جبلتنا، يذكر أننا تراب.” قالها والعبرات تبلل وجهه المجعد. تذكر أيام الضعف والمرض، وكأن جسده خيمة قديمة تتهالك، لكن روحه كانت تتجدد كل صباح كالنسر الذي يجدد شبابه.
سمع صوت أجراس الجمال البعيدة، فتذكر أن كل مخلوقات الله تسبحه – الملائكة والسماء والنجوم والجبال والوحوش والطيور. نظر حوله إلى أشجار الزيتون التي زرعها بيديه، وكأنها تنحني مع الريح مسبحة لله.
“يا نفسي، باركي الرب.” ختم العجوز صلاته، ودخل بيته المتواضع، وهو يشعر براحة عميقة تغمر قلبه، وكأن سنوات عمره كلها لم تكن سوى قصيدة حب كتبتها يد الرحمة الإلهية. نام تلك الليلة نوماً هادئاً، كطفل في حضن أمه.




