كان الجبل القديم يصيح بصمتٍ تحت سماء تميل إلى اللون النحاسي. ريح شرقية حارة كانت تمر بين صخوره العارية، تحمل في ثناياها ذكريات دماء وعداوات متأصلة. لم يكن هذا مجرد جبل، بل كان جبل سعير، موطن نسل عيسو، الذي صار أرض أدوم. لقرون طويلة، كان هذا الجبل شاهدا على حقد متوارث، على ضغينة تشبثت بقلوب أهله كما تتشبث الحية بالأرض الجرداء.
في أحد الأيام، بينما كانت الشمس تغرب خلف القمم الشاهقة، ملونة الصخور بألوان الدم والباذنجان، هبت ريح غريبة لم يعرفها الجبل من قبل. لم تكن ريحا عادية، بل كانت تحمل في هبوبها همسا قدريا، كأنما الأرض نفسها تئن تحت وطأة ما سيأتي. وعندما سكنت الريح، صار الجو ثقيلا كالقبر، وامتلأ الفضاء بصوت لم يكن بصوت إنسان.
“يا جبل سعير، اسمع كلمة الرب. هكذا يقول السيد الرب: لأنك صرت عدوا أبديا، وأسلمت بني إسرائيل إلى السيف في وقت مصيبتهم، حين أتى عليهم العقاب الأخير…”
كان الكلام يخرج كالنار من بين الصخور، وكأن الجبل نفسه يتكلم بلعنته. تذكر الجبل كيف كانت أدوم تفرح بخراب أورشليم، كيف كانت تقف على المفارق لتسفك من نجا من السيف، كيف كانت تتربص بالوريث لترث الأرض التي لم تكن لها.
“لذلك، كما إني حي، يقول السيد الرب، إني أجعلك دما، والدم يتبعك. إذ بالدم أخطأت، فالدم يلاحقك.”
بدأت السماء تتمعّر، وتحول لونها إلى لون الرماد. طيور النسور حلقت في دوائر فوق القمم، كأنها تنتظر وليمة مقبلة. سكان الجبل خرجوا من مساكنهم الحجرية، يتطلعون إلى السماء بقلق. لم يفهموا الكلمات، لكنهم شعروا بثقلها في صدورهم، كحجر كبير يضغط على أنفاسهم.
“وأجعل جبل سعير خرابا وخرابا، وأقطع منه المار والراجع.”
بدأت الأرض ترتجف تحت أقدامهم. صخور كبيرة تتساقط من المنحدرات، والغبار يتصاعد كأنه دخان محرقة عظيمة. صرخات الذعر امتزجت مع صوت انهيار الصخور. كان الخراب يأكل الجبل كما تأكل النار الهشيم.
“وتعرف أني أنا الرب. لأنك قلت: هاتان الأمتان وهاتان الأرضان تكونان لي فنملكهما، والرب كان هناك.”
في تلك اللحظة، أدركوا أن خطيئتهم لم تكن مجرد عداوة بشرية، بل كانت تحديا لله نفسه. لقد ظنوا أن الله ترك أرضه، فطمعوا في ما ليس لهم. لكن الرب كان يحرس أرض موعده، حتى في وقت تأديبه لشعبه.
“كفرحك بميراث بيت إسرائيل لإخراجه خربا، هكذا أفعل بك. تخربين يا جبل سعير وجميع أدوم كلها، فتعلمون أني أنا الرب.”
استمر الانهيار أياما وليالي. لم يعد هناك ممر آمن في الجبل، ولا طريق سالك. أصبحت أدوم كلها قفرا مقفرا، لا يسمع فيها إلا صوت الريح الحزينة التي تندب ما كان. النسور نزلت لتأكل الجثث، والذئب والثعلب صارا سكانها الجدد.
وبينما كانت الشمس تشرق على الخراب في صباح اليوم السابع، بدا وكأن الجبل يئن أنينا أخيرا قبل أن يسكن إلى الأبد. لقد صار تحذيرا للجبال الأخرى، شاهدا على أن الرب إله الغيرة، لا يتسامح مع من يفرح بدمار شعبه، أو يطمع في ميراثه.
وعبر السنين، عندما كان المسافرون يمرون بجوار تلك الأرض المقفرة، كانوا يخفضون أصواتهم، ويتذكرون قصة الجبل الذي تحدى الرب، فصار عبرة للأمم. وكانت الريح لا تزال تحمل همسا قديما: “فتعلمون أني أنا الرب.”




