الكتاب المقدس

رؤيا بطرس وكرنيليوس

كانت الشمس تميل نحو الغرب في سماء يافا، فتلقي بأشعتها الذهبية على بيوت الحجر الأبيض المتلاصقة كأسنان المشط. في أحد تلك البيوت، عند حافة المدينة المطلة على البحر، كان بطرس يصلي في علية بيت سمعان الدباغ. كانت رائحة الجلود المدبوغة تصعد من ساحة المنزل، تختلط بنسمات البحر المالحة.

لم يكن بطرس يعلم أن هذه الساعة ستكون مفصلاً في مسيرة الكنيسة الناشئة. بينما كان ينتظر طعام الغداء، سقط عليه غيبة من الروح، فرأى السماء مفتوحة وإناءً مثل ملاءة عظيمة من أربعة أطرافها تهبط إلى الأرض. وفيها كل دواب الأرض ووحوشها وزحافاتها وطيور السماء.

“قم يا بطرس، اذبح وكُل.”

صاح بطرس من أعماقه: “حاشا لي يا رب! لأني لم آكل قط شيئاً دنساً أو نجساً.”

فجاءه الصوت ثانية: “ما طهره الله فلا تدنسه أنت.”

تكررت الرؤيا ثلاث مرات، ثم ارتفع الإناء إلى السماء. بقي بطرس حائراً، يتأمل ما رأى، حين سمع وقع أقدام على السلالم الخشبية.

“سيّدي، هناك رجال يطلبونك. أرسلهم كرنيليوس قائد المئة من قيصرية.”

كانت قيصرية مدينة وثنية بامتياز، تحوي معابد للآلهة الرومانية واليونانية. لكن كرنيليوس، ذلك الضابط الروماني، كان مختلفاً. كان يخشى الله مع كل بيته، ويصنع صدقات كثيرة للشعب، ويصلي إلى الله في كل حين.

في اليوم التالي، انطلق بطرس ومعه ستة من الإخوة من يافا إلى قيصرية. كانت الرحلة تستغرق يومين، يسيرون على الطريق الروماني المحاذي للبحر. كانت أمواج المتوسط تتكسر على الصخور، والنسيم يحمل عبق الزعتر البري النامي على التلال.

عند وصولهم، استقبلهم كرنيليوس بكل إجلال. كان البيت مليئاً بالأقارب والأصدقاء المنتظرين. انحنى قائد المئة أمام بطرس، لكن الأخير رفض السجود قائلاً: “قم، أنا أيضاً إنسان.”

دخلوا البيت، فوجدوا جمعاً غفيراً. نظر بطرس إلى الوجوه المتعطشة، فرأى فيها صدق التوق إلى الحق.

“أنتم تعلمون كيف أنه محرم على رجل يهودي أن يلتصق بأحد من أمة أخرى. ولكن الله أراني أن لا أقول عن إنسان ما إنه دنس أو نجس. لذلك جئت دون مماطلة حين استدعيتموني.”

كانت كلمات بطرس تهز أركان التقليد القديم. ثم التفت إلى كرنيليوس: “فما بالك استدعيتني؟”

قصّ كرنيليوس رؤياه: كيف ظهر له ملاك في ساعة التاسعة، وأمره أن يستدعي بطرس من يافا.

فتح بطرس فاه، وانطلق يتكلم بكلمات اشتعلت ناراً في القلوب: “بالحقيقة أنا أجد أن الله لا يقبل الوجوه. بل في كل أمة، الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده.”

بدأ يروح قصة يسوع الناصري، كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة، كيف جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس. كيف صلبوه، وكيف أقامه الله في اليوم الثالث. كيف أكل وشرب معهم بعد قيامته.

“ونحن شهود على كل ما فعل في كورة اليهودية وفي أورشليم.”

كانت العيون تلمع، والقلوب تخفق، والأنفاس تحبس. ثم جاءت اللحظة الفاصلة.

“وإن جميع الأنبياء يشهدون له، أن كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا.”

قبل أن يتم بطرس كلامه، حلّ الروح القدس على جميع الذين كانوا يسمعون الكلمة. فبهت المؤمنون من أهل الختان الذين جاءوا مع بطرس، لأن موهبة الروح القدس قد انسكبت على الأمم أيضاً. كانوا يتكلمون بألسنة ويُمجدون الله.

لم يعد هناك مجال للتردد. قال بطرس: “أترى أحداً يمنع الماء حتى لا يعتمد هؤلاء الذين قبلوا الروح القدس كما نحن أيضاً؟”

فأمر أن يعتمدوا باسم الرب. ثم طلبوا منه أن يمكث عندهم أياماً.

عندما عاد بطرس إلى أورشليم، وجد إخوة ينتظرونه بقلق. “دخلت إلى رجال ذوي غلفة وأكلت معهم!”

وقف بطرس يحكي القصة من أولها، كيف رأى الرؤيا في يافا، كيف جاءه الرجال من قيصرية، كيف حلّ الروح القدس على الأمم كما على اليهود في البدء.

“فإن كنت أنا قد أعطيت موهبة الله كما لهم أيضاً، فمن أنا حتى أقدر أن أمنع الله؟”

سكت الجميع، ثم مجّدوا الله قائلين: “إذاً أعطى الله للأمم أيضاً التوبة للحياة!”

كانت هذه البداية الحقيقية لانطلاق البشارة إلى كل الأمم، فتحٌ عظيم لم يكن ليحدث لولا طاعة بطرس لتلك الرؤيا، وتواضع كرنيليوس في قبول الحق. لقد انكسر الحاجز بين القديم والجديد، بين الخاص والعام، بين الشعب المختار والبشرية كلها.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *