الكتاب المقدس

وحدة في المسيح بأنطاكيا

كان النهار يميل نحو الغروب، والغبار الذهبي يتطاير في شوارع أنطاكيا حيث تجمعوا في دار يوناثان. كانوا مجموعة غريبة، يهود من مواليد فلسطين ويونانيون آمنوا بالمسيح، يجلسون معاً على الحصير المُرقَّع وكؤوس الخشب بين أيديهم.

تحدث أندراوس، الرجل الذي عاش سنيناً في أورشليم قبل أن يأتي إلى هذه المدينة، بصوته الهادئ العميق: “لا نستطيع أن نطلب ما يفيدنا نحن فقط”. كانت عيناه ترمقان الشاب اليوناني إبيكتيتوس الذي كان يميل إلى ترك العادات اليهودية في الأكل، بينما كان متشدّدون مثل يعقوب بن حنانيا يتطلعون إليه بنظرات حادة.

في تلك الليلة، بينما كانت مصابيح الزيت تلقي بظلال متمايلة على الجدران، قرأوا معاً من الرسالة التي وصلت من بولس. لم تكن مجرد كلمات على ورق البردي، بل كانت كالنار تنتقل من قلب إلى قلب. “احتملوا ضعفات غير القادرين، ولا ترضوا أنفسنا”. توقفت القراءة عند هذه العبارة، فساد صمتٌ ثقيل.

قامت مرثا، المرأة التي كانت تخدم الجماعة بصمت، وسكبت الماء في إناء كبير. لم تتكلم، لكن فعلها قال كل شيء. رأى الجميع كيف غسلت أقدام القادمين من السوق، يهوداً ويونانيين، بأسلوب واحد، بحنان متساو.

بعد أيام، حدث ما لم يكن متوقعاً. مرض إبيكتيتوس بالحمى، وتوقفت تجارة الأخشاب التي كان يديرها. لو كان الأمر قبل رسالة بولس، لتركه اليهود يتدبر أمره وحده، لكن يعقوب بن حنانيا، المتشدد الذي كان يرفض حتى الجلوس مع الأمم، أخذ يصنع له الدواء بيديه. كان يعجن الأعشاب المرّة ويغني ترنيمة داود بصوت خافت.

“المسيح لم يخدم اليهود فقط، بل جاء رحمة للأمم أيضاً” كان يعقوب يردد هذا وهو يرفع رأس إبيكتيتوس ليسقيه الدواء. في عينيه المتعبتين لم يكن هناك انتصار مبدأ، بل شيء أعمق، شيء يشبه ذلك الحب الذي يتحدث عنه بولس.

ذات ظهيرة، بينما كانوا يصلون معاً، دخل عليهم شيخ من اليهود لم يؤمن بالمسيح بعد. نظر إلى المشهد الغريب: يعقوب المتشدد يصلي جنباً إلى جنب مع اليونانيين، ومرثا تعد الطعام للجميع دون تمييز. سأل باستغراب: “لماذا تفعلون هذا؟”

أجاب أندراوس بهدوء: “لأن ربنا قبلنا جميعاً، ضعفاء وأقوياء، يهوداً ويونانيين. هو لم يأت ليهود فقط، بل لجميع الشعوب”. لم تكن الكلمات معقدة، لكنها نزلت كالمطر على أرض عطشى.

في اليوم التالي، عاد الشيخ ومعه سلة تين وزيتون. لم يقل شيئاً، لكنه جلس معهم، واستمع إلى قراءة المزامير. كانت تلك البداية.

مع الأسابيع، أصبح بيت يوناثان صغيراً عليهم. كانوا يلتقون الآن في ساحة كبيرة near نهر العاصي. اليهود يغنون ترانيمهم القديمة بالعبرية، والإغريق يرددونها باليونانية، لكن النغمة واحدة، والقلوب متحدة.

في إحدى الليالي، بينما كان القمر بدراً يكاد يلامس مآذن المدينة، وقف أندراوس ليختم القراءة: “والله الرجاء يملأكم كل سرور وسلام في الإيمان”. نظر إلى الحشد المتعدد الأعراق، رأى في عيونهم ذلك النور الذي لا يمكن للكلمات وصفه.

كانت أنطاكيا تنام، لكن قلوب هؤلاء كانت مستيقظة، تحمل في داخلها بذرة شيء جديد، شيء قال عنه بولس إنه “يمجدون الله من أجل رحمته”. لم تكن نظرية لاهوتية مجردة، بل حياة تتدفق كنهر، تحمل الجميع إلى بحر النعمة الواسع.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *