الكتاب المقدس

بطرس والرقيم المقدس

كان سمعان بطرس، الشيخ، جالسًا في غرفته الضيقة في روما. نافذة صغيرة تسمح بدخول ذراع من نور شمس الظهيرة، يلامس الغبار الذي يرقص في الهواء، ويسقط على الرقيم الجلدي الممتد بين يديه. كان الهواء ثقيلًا، حاملاً رائحة الحبر والجلد القديم والمياه الآسنة من النهر البعيد. لم تكن الكتابة سهلة. الألم في عظامه، ذكرى الصلب المقلوب الذي ينتظره، كل ذلك جعل القبضة على القلم أكثر إحكامًا. لكن في قلبه كان هناك طمأنينة أخرى، نار هادئة لا تنطفئ.

كتب: “سمعان بطرس، عبد يسوع المسيح ورسوله، إلى الذين نالوا معنا إيمانًا ثمينًا مساويًا، ببرّ إلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح”.

توقف، ورفع عينيه عن الرقيم. نظر إلى النافذة، لكنه لم يرَ السقف المنخفض للغرفة، بل رأى بحيرة جنيسارت عند الفجر، والضباب يرتفع مثل صلاة صامتة. رأى وجه الرب، ذلك النظرة التي اخترقته بعد إنكاره، نظرة لا توبيخ فيها بل دعوة. ذلك الإيمان… لم يكن فكرة، ولا ذكرى. كان كالشجرة المغروسة عند مجرى ماء، تتغلغل جذورها في أعماق الأرض. ثمين. ثمين لأنه عطية، ومساوٍ للجميع لأن النعمة لا تُقاس.

استأنف الكتابة، وكلماته تنساب وكأنها تنبع من نبع عميق: “لتكن لكم النعمة والسلام بوفرة، في معرفة الله ويسوع ربنا”.

“بوفرة”. أحب هذه الكلمة. نعمة فائضة، سلام يغمر القلب حتى في قبور روما، في ظل الاضطهاد. ولكن كيف؟ كانت الإجابة في “المعرفة”. ليست معرفة الكتبة والفرّيسيين، الجافة المتعالية. بل معرفة حميمة، كمعرفة الابن لأبيه. معرفة وجه المسيح في عين الجائع، في يد المغسول، في قلب المنكسر.

شعر بتدفق الأفكار الآن، كالنهر بعد المطر. وضع القلم بثقة أكبر: “كما أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ما للحياة والتقوى، بمعرفة الذي دعانا بمجده وفضله”. كل شيء! لم يتركهم عراة في معركة الحياة. القوة لمجابهة الحبر، والنور للسير في الدرب. ولكن هذه الهبة، كالبذرة، تنتظر التربة.

ثم جاءت القائمة، كسلّم نُصِب بين الأرض والسماء. “لهذا عينه، وأنتم باذلون كل اجتهاد، قدّموا في إيمانكم فضيلة، وفي الفضيلة معرفة، وفي المعرفة تعففًا، وفي التعفف صبرًا، وفي الصبر تقوى، وفي التقوى مودة أخوية، وفي المودة الأخوية محبة”.

توقف مرة أخرى. “باذلون كل اجتهاد”. كانت الكلمة تحمل في طياتها عَرَق الجبين، وصبر القلب، والنهوض بعد السقوط. رأى في ذهنه وجه الشاب الغني، الحزين لأن الدعوة كانت ثقيلة. هذه ليست دعوة للكمال الفوري، بل مسيرة. إيمان كالأساس، ولكن عليه تُبنى الفضيلة، كالجدران القوية. ثم تأتي المعرفة كالنوافذ التي يَدخل منها نور الحق. والتعبُّف كالسقف الذي يحمي من عواصف الشهوات. والصبر كالأرضية التي تتحمل كل أثقال الأيام. والتقوى كالنار المشتعلة في الموقد، تدفئ البيت. والمودة الأخوية كالطاولة التي يجتمع حولها العائلة. وأخيرًا، المحبة… المحبة كالهواء الذي يملأ كل ركن، كالروح التي تحيي البناء كله.

كان فمه يبتسم ابتسامة خفيفة، حزينة بعض الشيء. كم يحتاج هو نفسه لهذا السلّم! كم مرة كانت محبته ضعيفة، وتقواه مهتزة. لكن النعمة لم تتركنه.

كتب بحماسة: “لأنه إذا كانت هذه فيكم وكثيرة، تجعلكم لا مُتثاقلين ولا غير مثمرين لمعرفة ربنا يسوع المسيح”. الصورة واضحة: التثاقل كالشجرة الميتة التي لا تحمل ثمرًا، لا فائدة منها سوى الحطب. والعقم هو الموت في قيافة الحياة. العكس هو الخصوبة، الازدهار، الإثمار.

ثم جاءت الجملة التي شعر أنها تنزل عليه كالنذير: “لأن الذي ليس عنده هذه، هو أعمى قصير البصر، قد نسي تطهير خطاياه القديمة”. أعمى قصير البصر. رأى في عقله رجلًا يحدق في قدميه فقط، خائفًا من السقوط، لكنه لا يرى الشمس ولا النجوم ولا الهدف من الرحلة. نسي. يا للكلمة المرعبة! نسي الغفران، نسي الحجر الذي دُحرج عن باب القبر، نسي اليد المثقوبة التي غسلت قدميه. صار انطلاقه من الصفر بلا معنى.

لذلك زاد لهجته تأكيدًا: “لذلك بالأكثر اجتهدوا أيها الإخوة، لتجعلوا دعوتكم واختياركم ثابتين. لأنكم إذا فعلتم ذلك لا تَعثُرون أبدًا”. الاجتهاد مرة أخرى. الثبات ليس منحة سلبية، بل بناء يومي. الاختيار الإلهي والدعوة الإنسانية يلتقيان في رقصة مقدسة من الطاعة.

وهنا ارتفعت نبرة الرسالة إلى قمة مجدها، كصرخة فرح في وجه الموت القادم: “هكذا يُقدَّم لكم بإتساع، دخول إلى ملكوت أبدي لربنا ومخلّصنا يسوع المسيح”.

دخول بإتساع! ليس زحفًا خجولًا، ولا تسلُّلًا من باب خلفي. بل دخول مشهود، كالمنتصر، باب يُفتَح على مصراعيه. ملكوت أبدي. في أذنيه دوّى صوت الرب: “أنا ملك”. لم يكن الملكوت مكانًا فقط، بل شخصًا. الدخول إلى الملكوت هو الدخول إلى حضرته، إلى فرحه.

أفاق من تأمله العميق. الوقت يمر. كان عليه أن يذكرهم، أن يشهد. فكتب بلهجة الشاهد العجوز الذي رأى بعينيه ولمس بيديه: “لأنني لم أَتْبَع خرافات مصنَّعة، إذ عرَّفتكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه، بل كنا معاينين عظمته”.

اختلطت الدموع بابتسامته الآن. رأى الجبل. ذلك المجد الذي لا يُوصف. ثياب المسيح كالثلج، ووجهه كالشمس. صوت الآب من السماء. وموسى وإيليا يتكلمان معه. كانت تلك اللحظة ختمًا على كل ما يقوله. النبوة ليست تخمينًا، بل تأكيدًا لما رأته العيون. “وعندنا الكلمة النبوية، وهي أثبت، التي تفعلون حسنًا إذا انتبهتم إليها، كما إلى سراج مضئ في موضع مظلم، إلى أن ينجلي النهار، ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم”.

الكلمة النبوية، كتب موسى والأنبياء، هي السراج. لا تكشف كل شيء، لكنها تكفي للسير دون عثرة. ثم يأتي النهار الكامل، طلوع كوكب الصبح: المسيح نفسه، شمس البر، في القلب.

اختتم بتحذير جاد، كالأب الذي يودع أولاده: “عالمين هذا أولاً: أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص. لأن النبوة لم تأتِ قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس”.

ليس الكلام من عندياتنا. ليس لعبة أفكار. إنها ريح مقدسة تحرك شراع القلب البشري لتحمل كلمة الله. هنا يستقر اليقين. هنا يرتكن الإيمان.

وضع القلم. كان الظلام يبدأ بالتسلل من زوايا الغرفة. أمسك الرقيم ونفخ على الحبر برفق ليجف. شعر بتعب عميق، ولكن بسلام أعمق. كان يعلم أن هذه الكلمات ستسافر عبر البحر، إلى مجتمعات المؤمنين في آسيا الصغرى، ستروي ظمأ النفوس، وتشدد القلوب.

خرجت من غرفته همسة صلاة: “ليكون له المجد، الآن وإلى يوم الأبد”. وكان في صوته رجاء راسخ، كالصخرة التي عليها بُني.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *