كان الهواء في أنطاكيا ثقيلاً ذلك المساء، حاملاً عبق الزيتون والتراب المبلول بعد مطرٍ خفيف. كنت جالساً في ركن الحديقة أتأمل السحب المتشحة بلون النحاس عند المغيب، حين سمعت خطوات ثقيلة تعرفها روحي قبل أذني. كان بولس قادماً، وحيداً كما عرفته دائماً في اللحظات الحاسمة.
“لقد حدث” قال بصوته الأجش الذي يشبه حفيف الأوراق الجافة. لم أسأل عما حدث، فقد كانت تجاعيد جبينه تخبرني بأن العاصفة التي كنّا نخشاها قد هبت.
في اليوم التالي، اجتمعنا في دار يوحنا مرقس. كانت القاعة الواسعة ممتلئة بروائح البخور والقلق. بطرس كان جالساً في الصدر، محاطاً بوجوه كثيرة لم أرها من قبل. بعضهم كان يهمس بلغة عبرية راقية، وبعضهم كان يلبس ثياباً فاخرة مطرزة بخيوط الذهب. شممت رائحة أورشليم فيهم، تلك الرائحة المميزة من معابد وحجارة مقدسة.
عندما دخل بولس، ساد صمت ثقيل. تقدم بخطوات واثقة، وجلس مقابل بطرس مباشرة. كانت عيناه تشعان بنار غريبة، نار كنت أعرفها جيداً من تلك الليلة على طريق دمشق.
“أيها الأخوة” بدأ بولس، وصوته يهتز كوتر مشدود. “لقد رأيت الرب، وهو الذي أرسلني لأبشر الأمم بالإنجيل. ولكن بعضاً من إخوتنا جاءوا من عند يعقوب، وبدأوا يعلّمون أن الخلاص لا يكتمل إلا بالختان وحفظ الناموس”.
نظرت إلى بطرس، فرأيت ظلاً من الحيرة في عينيه. لقد عاش مع الرب ثلاث سنوات، وسار على الماء تجاهه، وكان أول من اعترف بأنه المسيح. لكنه الآن كان محاصراً بين إخوته القادمين من أورشليم وبين الحق الذي عرفه قلبه.
“أتذكر” تابع بولس، وكأنه يخاطب بطرس وحده، “أتذكر عندما جئت هنا أول مرة، كيف أكلت مع الأمم، وكيف عشت معهم كواحد منهم. كنت حراً في المسيح، حراً من ثقل الناموس الذي لم يستطع أحد من آبائنا أن يحمله”.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. لقد كنت هناك عندما أكل بطرس أول وجبة مع كرنيليوس القائد الروماني. كيف ارتعدت يد بطرس وهو يرفع الخبز إلى فم أممي لأول مرة، ثم كيف انسكبت الدموع من عينيه عندما رأى الروح القدس يحل عليهم كما حل علينا في العلية.
“والآن” ارتفع صوت بولس، “الآن ترجع وتفصل نفسك عنهم خوفاً من الذين يأتون من عند يعقوب! أتبني ما هدمته؟ أتعيد بناء حائط السياج الذي هدمه المسيح بدمه؟”
كانت الكلمات تضرب كالمطرقة على الحجر. بطرس لم ينطق بكلمة، لكني رأيت عينيه ترويان قصة صراع مرير. لقد عاش طفولته في الجليل بين الأمم، وعرف قلبه أن الله لا يحابي الوجوه. لكن سنوات العيش في أورشليم، وضغوط المحافظين، وخوفه من تقسيم الكنيسة الناشئة – كل هذا كان يثقل على كتفيه.
قام برنابا، رفيق بولس في الرحلة الأولى، وكانت دموعه تسيل على لحيته الكثة. “صدق بولس” قال بصوت متهدج. “لقد رأينا بأعيننا كيف يخلص الأمم بالإيمان وحده. رأينا عيون العمى تفتح، ومرضى يشفون، وخطاة يتغيرون – كل هذا بالإيمان بيسوع، لا بالختان”.
في تلك اللحظة، شعرت وكأن حجاب الهيكل قد انشق مرة أخرى في قلوبنا جميعاً. تذكرت كلمات الرب: “تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم”. الناموس كان عبئاً ثقيلاً، والمسيح جاء ليحمل هذا العبث عنا.
نهض بطرس ببطء، وكان وجهه شاحباً لكن عينيه كانتا صافيتين. “أخي بولس” قال، وصوته خافت كحفيف أجنحة الحمام. “لقد أخطأت. خفت من الناس أكثر من خوفي من الله. نسيت أن الله قد اختارني من بينكم جميعاً لأكون أول من يبشر الأمم. نسيت أن النعمة وحدها تكفي”.
لم يكن هناك انتصار في عيني بولس، فقط رحمة عميقة. تقدم واحتضن بطرس، وكان المشهد أشبه بمشهد يعقوب مصالحاً عيسو بعد سنين من الفراق.
في الأيام التالية، تغيرت أجواء أنطاكيا. عاد بطرس يأكل مع الأمم، لكن هذه المرة بفرح وحرية جديدة. وكتب بولس رسالته إلى غلاطية لاحقاً، يحكي فيها ما حدث، مؤكداً أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس، بل بالإيمان بيسوع المسيح.
كنت أتأمل كل هذا وأنا جالس تحت شجرة زيتون قديمة في ساحة المدينة. رأيت مجموعة من المؤمنين اليونانيين واليهود يصلون معاً، وشعرت أن هذه هي الكنيسة الحقيقية – جسد المسيح المتحد في التنوع، المبرر بالإيمان، الحي بالنعمة.
العاصفة قد هدأت، لكن دروسها بقيت محفورة في قلوبنا جميعاً. لقد تعلمنا أن الحرية المسيحية ليست أن نفعل ما نريد، بل أن نعيش كما يريد المسيح – أحراراً من ثقل الناموس، لكن عبيداً للمحبة والخدمة.




