الكتاب المقدس

مذبح البخور والفدية

كان الجو في قلب البرية حارقاً، تلفح الوجوه ريحٌ حاملةً ذرات رمل دقيقة، وكأن الزمن نفسه قد توقف تحت وهج الشمس الذي لا يرحم. وفي خيمة الاجتماع، تلك الجزيرة المقدسة وسط بحر من القحط والتراب، وقف موسى وحيداً. لم يكن الوحدة هي ما يقصيه، بل ثقل الكلام الإلهي الذي يملأ صدره، كلمة كلمة، تفصيلاً تفصيلاً. لقد نزل عليه وحيٌ يخص قدس الأقداس، أمرٌ يبدو للوهلة الأولى منفصلاً عن صخب الشعب ومطالبه اليومية، ولكنه في حقيقة الأمر كان شرياناً يربط القلب السماوي بالأرض.

أمره الرب بصنع مذبح لتبخير البخور. ليس أي بخور، بل بخور عطر، صنعة عطار، مقدساً مقدساً للرب. وتداعت الصورة في ذهن موسى: مذبح من خشب السنط، متين كالعزيمة، مغلف بالذهب الخالص، كأنه شعاع شمس متجسد. قرناً له، بلقرون الشاة القوية، من ذات قطعة الخشب، مغلفان بالذهب. وكأن الرب يريد أن يقول: القوة والجمال، المتانة والنقاء، يجب أن يكونا واحداً في هذا الموضع. وحول حافته إكليلاً من الذهب، تاجاً للمكان، وتحت الإكليل حلقاتان من الذهب، على جانبي المذبح، لوضع عصوين من خشب السنط المغلفة بالذهب أيضاً، لحمل هذا السر.

وبينما كانت تفاصيل الصنعة تتجسد في مخيلته، انتقلت تعليمات الصوت الإلهي إلى موضعه. لا في الساحة العامة، ولا عند باب الخيمة، بل في الداخل، أمام الحجاب الذي يحجب تابوت العهد. أمام الشهادة. هناك، حيث يلتقي الغمام، فوق كرسي الرحمة، سيصعد دخان هذا البخور، صلاة صامتة، عطرة، دائمة. مرتين في اليوم، عند إصعاد الفجر وإيقاد المساء، يدخل هارون، أو من يأتي من نسله من الكهنة بعده، لخدمة هذا السر. بخور دائم أمام الرب عبر أجيالكم.

ثم جاءت كلمات التحذير، فجأة، بجدية تذوب منها العظام: “بخور غريب لا تصعدوه”. وارتجف قلب موسى. إنها قداسة لا تتهاون، نار آكلة. ليس أي خليط عطري، وليس لأي غرض بشري. هذا البخور مختص بهذا المكان وحده، مقدساً مقدساً. من يصنع مثله ليشمه، ينقطع من شعبه. كان الأمر واضحاً كالشمس، وخطيراً كالسيف المسلط.

ولكن العمل الإلهي لا يقتصر على الذهب والبخور. فهناك فدية النفوس. أمرٌ آخر، يمس كل فرد، غنيهم وفقيرهم. نصف شاقل، بشاقل القدس. الغني لا يزيد، والفقير لا ينقص. الفدية التي تقدم للرب ككفارة عن الأنفس. مالٌ بسيط في قيمته، عظيم في رمزيته. كل واحد يعد نفسه، كل نفس لها ثمن، والثمن واحد للجميع. هذا المال، المخصص لخدمة خيمة الاجتماع، تذكرة أمام الرب. ومرت في خاطر موسى صورة الرجل الغني الذي قد يزهد في هذا المبلغ الضئيل، والفقير الذي قد يجده جبلاً، وكيف أن المساواة هنا ليست في الملكيات، بل في القيمة أمام الخالق.

وأخيراً، جاء الأمر بصنع حوض من نحاس وقاعدة من نحاس للغسل. يوضع بين خيمة الاجتماع والمذبح النحاسي الكبير، حيث المحرقات. ماءٌ يوضع فيه، ليغسل هارون وبنوه أيديهم وأرجلهم قبل دخولهم إلى الخيمة أو قبل اقترابهم إلى المذبح لخدمة النار. فلا يموتوا. وتصور موسى طقس الغسل: الماء البارد تحت وهج الشمس، ينساب على الأيدي التي ستلمس القدس، وعلى الأرجل التي وقفت في المكان المقدس. نظارة جسدية كرمز للنقاء القلبي. عهد أبدي لهارون ونسله.

وهناك، في سكون الخيمة، مع انتهاء الكلام، شعر موسى بثقل المهمة ونعمة التكليف معاً. لم تكن مجرد أوامر لصنع أدوات، بل كانت هندسة للعلاقة، بناءً لجسر بين السماء المطلقة والأرض النسبية. كل ذهب، كل قياس، كل طقوس، كانت حرفاً في لغة مقدسة يفهمها القلب الخاشع. وكان هو، موسى، الناقل لهذه اللغة. أخذ نفساً عميقاً، وكأنه يحمل رائحة البخور العطر قبل أن يُصنع، ثم خرج من الخيمة ليواجه ضوء النهار الحار، والشعب المنتظر، حاملاً في داخله مخططاً للقداسة، مفصلاً كإبرة الخياط، وشاملاً كرحمة السماء.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *