الكتاب المقدس

منجم الحكمة الخفي

كان الجبل يئن تحت وطأة القدمين، ككائن حي أرهقته القرون. حمل “أيوب” بيده قطعة من الحجر الثقيل، لونها بين البني والصدأ، تتخلله عروق فضية باهتة. كان يعرف أن في أعماق هذا الصخر كنزاً، كنزاً يلمع في الظلام. وضع الحجر جانباً، وتنهد. نظر إلى الرجال الذين يحفرون بكد، أضلاعهم تظهر تحت الجلود الممزقة، عيونهم محترقة بنار الشوق لشيء ما، ربما للذهب، أو ربما للمعنى.

كانت الشمس تميل نحو الغرب، تصبغ سماء “أرض عوص” بلون النحاس المنصهر. لكنهم هنا، في شق الجبل، يعيشون في ظل دائم. رائحة التراب الرطب والحديد تملأ الهواء. صوت مطرقة تضرب إسفيناً حديدياً يرن صداه في المغارات العميقة، كنداء غامض. هم يحفرون بعيداً عن النور، يربطون الحبال وينزلون إلى حيث لا يصل شعاع شمس. هناك، في عالم الظلمة والصمت الرهيب، يجدون الكنوز.

يتذكر “أيوب” كيف أنهم يهزون الجبال من أصولها، كيف تصدع الصخور بالمعدن. يمررون سيولاً بين الحجارة، فتغسل التراب عن عروق الذهب الخالص، الذي لا يقدر بثمن. حتى الطيور الجارحة لا تعرف ذلك المسار السري، ولا عين النسر الشامخة تراه. الوحوش الشرسة لم تطأ أقدامها تلك القرارة. الإنسان وحده، بيده الهزيلة وعقله القلق، يتحدى الظلام ليجلب إلى النور ما تخبئه الأعماق.

لكن بينما كان واقفاً هناك، وغبار المعادن يلمع في شعاع الشمس الأخير كذرّات نجوم ساقطة، امتلكته حيرة أعمق من أي منجم. لقد رأى الرجال يستخرجون الفضة من مصدرها، ويصهرون الذهب من حجره. ينظفون الحديد من التراب، ويجعلون النحاس يخرج من الصخر كسائل. يحدّون الحجر الكحيل ليصير ياقوتاً، وينفضون الغبار عن الذهب الإبريز. كل هذه الحكمة في اقتناص ما خفي… فمن أين تأتي الحكمة نفسها؟ وأين مكان الفهم؟

بحث عنها في كل مكان. نظر إلى أعماق الأرض فوجد الظلام والموت. نظر إلى البحر الهائج، إلى لجة المياه التي لا قرار لها، فلم يجدها. لم يستطع البحر أن يعطي بديلها، ولا أن يشتريها بكنوزه المرصوفة من لآلئ وعقيق. الزبرجد والبلور لا يساويانها، ولا كل حليّ الذهب تضاهيها. المرجان والبلور يذكران بها، لكنهما ليسا هي. الياقوت الإثيوبي، مهما علا ثمنه، يبقى حجراً بجانبها.

سكت الرجال عن العمل للحظة، ارتفع نظره عن المغارة المظلمة إلى السماء المتوهجة بلون الدماء. تساءل: الطريق إليها، أيعرفه ابن آدم؟ أتدركها عين الخفاش أو البازي؟ حتى الوحوش الأبية، والأسود الشابة التي تجوب الجبال باحثة عن الفريسة، لا تعرف المسار إلى منبع الفهم. الصخور العاتية، الوديان السحيقة، كلها صامتة أمام هذا السؤال.

فهم “أيوب” فجأة، وكأن ضوءاً آخر أشرق في داخله. الحكمة ليست شيئاً يُستخرج أو يُصطاد. ليست سلعةً في أسواق “صور” أو “دمشق”. الله وحده يعرف طريقها، وهو وحده يدرك مكانها. لأنه هو ينظر إلى أطراف الأرض، ويرى تحت كل السماوات. عندما نظم للريح وزناً، وقاس المياه بمكيال، عندما جعل للغيث فريضة، وسلك طريقاً للصواعق، حينئذ رآها وأحصاها، وهيّأها وأيضاً اختبرها.

ثم قال للبشر، الذين يحفرون في الظلام بحثاً عن بريق زائف: “هوذا مخافة الرب هي الحكمة، والحيدان عن الشر هو الفهم.”

سقطت الظلمة على الجبل، وأضيأت المصابيح في المعسكر. الرجال خرجوا من جوف الأرض، يحملون في أكياسهم قطعاً من المعدن اللامع. نظر إليهم “أيوب” وهز رأسه بحزن عظيم وحنان. هم يبحثون عن كنز يمكن أن يسرق، أو يصده الصدأ، أو يذهب مع الزمن. وهو الآن يعرف أن الكنز الحقيقي، كنز الحكمة، لا يوجد في منجم، بل في قلب منحني في خشوع، وعقل يختار طريق الاستقامة، حتى عندما تنهار السماوات.

رفع عينيه إلى النجوم التي بدأت تنتثر في حلكة الليل. كانت أكثر سحراً من كل جواهر الأرض، لأنها تشهد، في صمتها الناطق، لمن أوجد الطريق إلى الحكمة، وهو طريق يبدأ من مخافة ليست رعباً، بل هي دهشة محبة أمام عظمة لا تُحفر، ولا تُستخرج، بل تُمنح.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *