كان الظلام دسماً وكثيفاً، كأنه حجاب أسود مُطّ على وجه الجبال. ريح شرقية حادة، آتية من تخوم الصحراء، تعوي بين شقوق الصخور كأنها نحيب روح ضائعة. واقفاً في مغارة منفردة، حصّنها بيديه حجراً حجراً، كان داود يشعر بثقل السماوات النحاسية تُخيّم على صدره. كان الخوف رفيقه في هذه الأيام، خوفٌ مُرْ، خوف الرجل المطارد الذي تتنفس ظلوله من كل وادٍ وصخرة. لم يكن خوفاً من سيف أو رمح، بل كان شيئاً أعمق، إحساساً بغدر الأرض نفسها، بأن الجبال التي اختبأ بين أحضانها قد تبيع سره بثمن بخس.
تذكر أيام الرعي، حين كانت النجوم أصدقاء، والظلمة حميمة تحتفي بصلاة القلب. أما الآن، فالظلمة معادية. صرخات أعدائه، مثل نباح كلاب جائعة، كانت تصل إليه حتى في صمت الليل، لا بكلمات، بل بشهقة ريح تحمل رائحة الكراهية. في تلك اللحظة، حيث بلغ اليأس قعره، لم يجد في يده سوى سلاحين: قلبه المفتوح، وذاكرة الوعد. ففتح شفتيه، ليس بصوت عالٍ يخترق الليل، بل بنغمة خافتة، حزينة، متشبثة بأهداب الرجاء:
“أحبك يا رب قوتي…”
وكأن تلك الكلمات كانت مفتاحاً حَصَّنَ به باب قلبه المفتوح على مصراعيه. فلم تكد تهمس بها روحه المنكسرة، حتى بدأ التحول. ليس تحولاً في الخارج فحسب، بل في الأعماق أولاً. شعر كأن حبلاً متيناً، غير منظور، قد أُلقِيَ إليه من علياء السماء، فتشبث به. ثم ارتفعت عيناه نحو السحاب الكثيف الذي حجب النجوم. ورأى، أو أحسّ أكثر مما رأى، بداية حركة.
لم تكن رعداً فجائياً، بل همهمة بعيدة، كتنهد الأرض العميق. ثم تلألأ، خافت في بادئ الأمر، كشمعة تتقد خلف ستارة سوداء ثقيلة. ازداد التلألأ قوة، وانفتحت في جبهة السحاب ثغرة، لم تكن من نور الشمس أو القمر، بل من نورٍ أصفى، أقدس، كأنه نفس المجد الإلهي المتجلي. من تلك الثغرة انحدرت قوة لم تكن كقوى هذا العالم.
هزت الهزة الأرض تحت قدميه، لكنها لم تكن هزة فزع، بل هزة تخلّص. سمع دويّاً كدويّ جيش عرمرم، لكنه دويّ النصرة. رأى السحب تتكسر كالأمواج على صخور عالية، وتنقشع وكأن يداً جبارة تزيل ستاراً. ثم جاءت النسمة، لا الريح العاتية، بل نسمة باردة، عذبة، تحمل رائحة المطر بعد القيظ، ورائحة الحياة بعد الموت. شعر بها تلامس جبينه المتعرق، فكانت كلمسة غفران ووعد.
وتكلم. لم يكن صوتاً يسمعه بالأذن، بل كان يقيناً يمتلئ به كيانه. كان حضوراً يغمر روعته كل فراغ. صوت القوة الأبدية يقول: “أنت لي”. فانحلت عقدة الخوف في صدره، وذابت شكوكه كالندى تحت شمس الصباح. لم يعد الرجل المطارد، بل أصبح الابن المدعوم بقوة لا تُقاس.
خرج من المغارة، ليس زاحفاً كهارب، بل واقفاً كمنتصر. كان الجبل نفسه يبدو مختلفاً. الصخور التي كانت توحي بالقسوة أصبحت مرتفعات يحرسها ربه. الظلام الذي كان يخيفه تلاشى أمام النور الذي أشعل في داخله. نظر إلى أسفل، حيث الأودية المليئة بمكامن الشر، فابتسم ابتسامة فيها عرفان وعزم. “بك أركض جيشاً، وبإلهي أقفز سوراً”. شعر بقوة في ساقيه كقوة الأيّل، وبرشاقة في حركته تعطيه ثقة جديدة.
نزل من الجبل، وكل خطوة كانت إعلاناً لإيمان متجدّد. قابل في طريقه مخاطر، حيوانات مفترسة، وعقبات طبيعية، لكنه كان يتعامل معها بسلاسة جديدة. كانت يد غير مرئية تهديه، وتعد له الطريق. وصل إلى نهر غزير الماء، تزأر مياهه بين الصخور. فبدل أن يبحث عن مخاضة، دخل المياه بثبات، وكأن النهر يقسم له التحية، ويشق له مجرى آمناً. “توسعت لي في الضيق”. تلك العبارة صارت حقيقة ملموسة، يحياها بكل جوارحه.
ثم جاءت اللحظة التي كان يعرف في أعماقه أنها آتية. المواجهة. لم يعد يخشاها. وجد نفسه في سهل فسيح، مقابل قوة تفوقه عدداً وعدة. لكنه نظر إليهم، ورأى خلفهم، في ضباب قلوبهم، ظلالاً من نفس الظلمة التي عاشها. لكنه الآن لم يكن فيها. كان في النور.
اندلعت المعركة. وصف لاحقاً ما حدث بأنه لم يكن قتالاً بشرياً محضاً. كان كأن قوى السماء تنزل لتقاتل معه. رأى سهام أعدائه تتطاير في الهواء وكأن ريحاً قوية تعوقها. شعر بذراعه تشتد، ليس بقوته الذاتية، بل بقوة تُسكب فيه. كل ضربة كان يوجهها كانت محسوبة، كل حركة كانت موفقة. كان كالإزميل في يد النحات، يتحرك بدقة ليحقق الصورة التي في ذهن الصانع.
وبينما كان القتال في ذروته، تذكر أيام الغلامة، حين كان يحرس الغنم من الأسد والدب. كانت تلك التدريبات البسيطة، في بساطة الحياة الرعوية، استعداداً لهذه اللحظة. إلهه كان يعدّه في الخفاء، يمرّنه على الثقة، على الشجاعة، على الاتكال. كان كل تحدٍ صغير في الماضي، درساً لهذه المعركة الكبيرة. “يعلم يدّي القتال، فتنحني بقسيّ نحاس”.
وعند الغروب، عندما انجلت غبار المعركة، وقف وحيداً في وسط السهل. حوله علامات النصر، لكن في قلبه لم يكن هناك إحساس بالزهو أو الفخر الشخصي. بل امتلأ قلبه بتهليل شكر عميق، صافٍ، كجدول ماء منبعث من صخرة. نظر إلى السماء المتلبدة بألوان الغروب القرمزية والذهبية، ورأى فيها مرآة لمجده هو، مجد المُخَلِّص. أدرك أن النصر لم يكن له، بل كان قصيدة كتبها الرب، وكان هو مجرد القلم الذي سُطّرت به.
عاد إلى مخبأه الجبلي، ولكن كإنسان جديد. المغارة نفسها، والصخور نفسها، ولكن النور الذي ملأ قلبه جعل كل شيء يختلف. جلس عند مدخل المغارة، وأخذ قيثارته. فأطرق أوتارها، ولكن الأنغام التي خرجت هذه المرة لم تكن أنغام حزن أو تشويش، بل كانت أنشودة متكاملة، نابضة بالحياة. كان ينظم مزموره، ليس كمشاهدة خارجية لحدث، بل كسرد لخبرة قلب تم تحريره من أعماق الجحيم. كل جملة كانت تنبض بذكرى: الظلمة، الصراخ، الاستجابة، القوة، النصرة.
وكتب: “إلى رئيس المغنيين. لعبد الرب داود، الذي كلم الرب بكلام هذا النشيد، يوم أنقذه من كفّ جميع أعدائه ومن يد شاول. فقال: أحبك يا رب قوتي…” كانت الكلمات تتدفق كالنهر، قوية، صادقة، مليئة بالصور: الصخور، السهام، النهر، السور، الأيّل. كان يحاول بكل ما أوتي من قوة الشعر والنبوة، أن ينقل ما لا يُنقل: لمسة النعمة التي ترفع الإنسان من الحفرة إلى الصخرة، من العار إلى المجد.
وعندما أنهى، سكت. كان الليل قد حلّ، والسماء صافية، مرصعة بالنجوم. نظر إليها، ورأى فيها لا جمالاً فحسب، بل دليلاً على ذات المحبة التي أنقذته. فأدرك أن هذه القصيدة لن تكون له وحده. ستكون ترنيمة لكل من وقع في ضيق، لكل من أحاطت به أمواج الموت، لكل من شعر بأن الأرض تتزعزع من تحته. سيكون فيها رجاء، ووعد: أن الصخرة الأزلية ثابتة، وأن يد المحبة قوية، وأن صرخة القلب المكسور لا تضيع أبداً في فراغ السماء، بل تصل إلى عرش النعمة، فتستجيب بقوة، وتنزل بالخلاص.
وبسلام عميق، ليس سلام غياب الحرب، بل سلام حضور المحبة الأكيدة، وضع رأسه على حجر، ونام نوماً هادئاً، لأول مرة منذ زمن طويل، بينما كانت كلمات مزموره، كرائحة البخور، تصعد في صمت الليل الجميل.




