كان النهار قد أفلت، وآثار المسير تُرى على أقدام القوم. غبار الصحراء يعلو وجوههم، وهم يلتفتون خلفهم حيث مصر، وأمامهم حيث المجهول. لكن في قلوبهم رجفة غريبة، رجفة من تذكّر ما كان، ومن انتظار ما سيكون. لم يكونوا بعد شعبًا بالمعنى الذي يفهمه العالم، بل كانوا ذاكرة جريحة، ووعدًا سماويًّا يحملونه في صُحُف قلوبهم البالية.
وفي تلك الليلة، حين انتشى الصمت وامتلك الفضاء، تذكر يعقوب – وهو شيخ من شيوخهم، عاصر العبودية ومرارتها – تذكر كلمات موسى، وكيف أن الرب يُخرجهم من بيت العبودية. نظر إلى البحر الذي وقفوا أمامه كجدار أزرق هائل، يتلاطم في ظلمة الليل كوحش نائم. البحر.. هذا الحاجز الأخير الذي يلي مصر. وراءه الحرية، وأمامهم الموت الغرق. صمت القوم، وابتلع الخوف أنفاسهم.
ثم جاء الأمر. رفع موسى العصا. لم تكن عصا عادية، بل كانت كعلامة، كإصبع يشير إلى السماء. وفي تلك اللحظة، حدثت الرّعدة. لم تكن رعدة في الأرض وحدها، بل في كيان الخليقة كلها. هبّت ريح شرقية عاتية، لكنها لم تكن ككل ريح. كانت كيد خفية، كتنهيدة من فم الله نفسه. فانشق البحر.
لم يكن انشقاقًا عاديًا. لقد تألّم البحر. هكذا بدا للناظرين. المياه التي كانت جسدًا واحدًا متلاطمًا، تشققت كما يتشقق الحجر تحت ضربة الفأس. ارتفعت كتلتان مائيتان هائلتان كجبلين زُرقَين، متراصّتين، منضبطتين، بينهما طريق يابس. كان قاع البحر ظاهرًا، طينه الرطب يتلألأ تحت ضوء القمر، مُخلفًا بركًا صغيرة هنا وهناك، حيث ما زالت الحياة تدبُّ بأسماك صغيرة ترفرف في حيرة. لقد رجف البحر، وولى هاربًا إلى الوراء، كما يولي الخائف، وكأنما رأى وجه الخالق ففزع.
بدأوا بالسير في ذلك الممر العجيب. كان المشي داخل جوف البحر تجربةً تذوب منها الأفهام. ظلال المياه الزرقاء المعلقة على الجانبين، تموج كالستائر الهائلة، وكان صوت الريح يصرخ في الآذاب كأنين مكتوم. الأطفال يمسكون بأهداب أمهاتهم، والعيون تتسع دهشة وخوفًا وإيمانًا. كان البحر يحرسهم، مذعورًا من أمر ربه، محافظًا على جدرانه المائية لا تتساقط.
وبعد أن عبروا، وعندما أسرع المصريون خلفهم في ذلك الطريق العجيب، عاد البحر إلى مكانه. هنا أيضًا كانت الرعدة. اندفعت الكتل المائية بجبروت، ليس جبروت العاصفة، بل جبروت الطاعة لمُرسلها. التحم الشقّان في لقاء عنيف، مختضّين فرعون وجنوده. وعاد البحر إلى سكونه، كأن لم يحدث شيء. لكن في أعماقه، في قاعه الطيني، استقرّت عربة وغلام، ودرع ورمح، كذكرى صامتة على أن الخلاص له ثمن، وأن المياه ترتعد حين يأمر الرب.
لم تنتهِ الرّعدة عند البحر. فالشعب واصل سيره، متجهًا إلى البرية القاسية. واجهوا عطشًا ماحقًا، حتى وصلوا إلى مكان اسمه رافيديم. وهناك، حيث الحجارة السوداء المتشققة تحت شمس محرقة، حيث يبدو المكان ميتًا منذ الأزل، وقف موسى أيضًا. ومرة أخرى، عصا موسى تلمس الحجر. فانفتح الصخر.
لم يكن انفتاحًا هادئًا. لقد رجف الصخر، كما رجف البحر. تشققت جوانبه الصلدة، وكأن قلبًا خافقًا فيها قرّر فجأة أن ينبض. تدفقت المياه، لا كقطرات، بل كجدول غزير، بل كنهر مفاجئ. كانت المياه نقية، باردة، كدموع السماء محبوسة في أحشاء الأرض منذ زمان، تنتظر لحظة التحرّر. لقد ولد النهر من جنب الحجر، كما يولد الطفل من جنب أمه. ارتوى الشعب، وشربت مواشيهم، وارتفعت هتافات الشكر. كان الصخر قد تحوّل إلى ينبوع حياة. لقد رأوا بعيونهم أن الجماد يرتعد حين يحضر الله.
ثم كانت المحطة الأخيرة في هذه المسيرة ذات الرّعدات: جبل سيناء. وقف الجبل الهائل، شامخًا، صامتًا، كعملاق من حجر يرقب دخول هؤلاء الضيوف إلى حماه. وعندما نزل الرب على الجبل، ارتعدت الأرض كلها. غطّى الدخان الجبل، وكان صوت البوق يعلو شديدًا جدًا. والشعب يرتجفون من أسفل. لم يكن رجفًا من خوف الموت فقط، بل من عظمة الحضور. لقد رجف الجبل كله، كما ترتجف حبة القمح في مهب الريح العاصف. كأن الجبال، هذه الكتل الظاهرة الثابتة، التي يبني عليها الإنسان أوهام استقراره، رأت صانعها فتزلزلت. رأت أن ثباتها ليس من ذاتها، بل بإذنه. فذابت كالشمع.
وهكذا، من البحر إلى الصخر إلى الجبل، سار شعب العبرانيين وهم يرون العالم من حولهم يتحرّك، يرتجف، يستجيب. لم تكن المعجزات مجرّد خرق للعادة، بل كانت كشفًا للحقيقة الخفية: أن الخليقة كلها عبدٌ طوعٌ لإرادة خالقها. البحر يفرّ، والصخر يبكي ماءً، والجبل يذوب خضوعًا. وهم، هذا الشعب الصغير الضعيف، كانوا يشهدون هذا المشهد المهيب. كانوا يتعلمون درسًا: أن الحرية الحقيقية ليست في الهروب من العبودية فحسب، بل في الدخول في طاعة من يجعل البحر والصخر والجبل طوع بنانه.
وعندما غربت شمس ذلك الزمن، وجلس الأحفاد حول النار بعد سنوات طويلة، يروون القصة، كانوا يقولون: “لماذا ارتعدت يا بحر؟ ولماذا التفتِ يا أيتها الأردنّ؟ ولماذا تركتما مكانكما وكأنما ثمة قوة أعظم من قانون الطبيعة قد دفعتكما؟”. ثم يجيبون بصوت واحد، كأنهم يرددون مزمورًا ورثوه عن الأجداد: “ارتعدي يا أرض من قدام الرب، من قدام إله يعقوب. الذي يحوِّل الصخرة إلى بِركة مياه، والصوان إلى ينبوع عيون”. لقد فهموا أن الرعدة لم تكن خوفًا، بل كانت تسابيح صامتة، تسبحة الخليقة كلها للخالق، التي رأوها بعيونهم، وسارت عليها أقدامهم، وشربوا من مائها. وكان ذلك ذكرى أبدية، نُقشت ليس على الحجر، بل على قلب الأمة.




