في ليلة من ليالي الشرق العيماء، حين تُمسك النخيل عن السكون وتتنفس الأرض حرارةَ النهار المختزنة، جلس الشيخ عفان على سقف بيته الطيني، يحدق في النجوم المتلألئة. كان الهواء حاملاً عبق التراب المبلل بعد سقي بئر القرية. وفي صدره ثقلٌ رآه كحجر رحى، ثقلٌ من ظلم رأه بعينيه في سوق البلدة الصغيرة.
كان عفان رجلاً طاعناً في السن، حفظ التوراة والمزامير عن ظهر قلب، ورأى في داوود النبي شاعراً وراعياً وقاضياً. وفي تلك الليلة، بينما كان صوته الخشن يهمس بمزامير داوود، توقف عند المزمور الثاني والثمانين. لم يقرأه هذه المرة، بل بدأ يستحضره كأنه حلم يراه بعين البصيرة.
رأى في بصيرته قاعة عظيمة، ليست من ذهب ولا فضة، بل كأنها منسوجة من نور الشفق وخيوط الظلال. وجلس هناك قضاة، ولكن وجوههم كانت كالجبال الشامخة، وعيونهم تلمع ببرودة النجوم. كانوا جالسين على كراسي من حجر أسود، أملس كالماء الراكد في الليل. حولهم صمت رهيب، لا يكسرُه إلا همسُ ريح تأتي من مكان بعيد جداً، تحملُ ذكرى أصوات الأطفال الجائعين والنساء الثكالى.
ثم رأى نوراً يعلو كل نور، لا يُنظر إليه مباشرة، بل كحضرة تشع من وراء حجاب من بهاء. وسمع صوتاً ليس كالأصوات، صوتاً يهز أركان تلك القاعة دون أن يرفع شدته، كأنه دويّ الحق نفسه: “حتى متى تقضون جوراً، وترفعون وجوه الأشرار؟”. ارتجفت تلك الكراسي الحجرية. ونظر عفان إلى وجوه القضاة، فرأى الغرور في عيونهم، غروراً متحجراً كالصخور التي يجلسون عليها.
كان أحدهم، وعيناه كعيني صقر جائع، يهم بالكلام، ولكن الصوت العظيم استمر: “اقضوا للذليل ولليتيم. أنصفوا المسكين والبائس. نجوا الذليل والفقير، من يد الأشرار أخلصوهم”. وفي كل كلمة، كانت تظهر صور: صورة طفل يتيم يُسحب منه إرث أبيه، وامرأة أرملة تبكي على أرض سلبتها أيادي جشعة، ورجل فقير يُضرب على وجهه لأنه تجرأ وطلب حقه.
نظر القضاة بعضهم إلى بعض، ولكن لا حراك فيهم. كانوا كتماثيل من ملح، يظنون أنهم أبديون. كان في قلوبهم ظنٌ خفي أن السلطة لهم ميراث أبدي، وأن من تحت أيديهم ليسوا سوى غبار يدوسونه.
هنالك ارتفع الصوت كالرعد الذي يسبق المطر الغزير: “لا يعرفون ولا يفهمون، في الظلام يتمشون. تتزعزع كل أسس الأرض”. وفي الحال، رأى عفان الأرض تحت أقدام هؤلاء القضاة تتشقق. لم تكن تشققات الأرض العادية، بل كأنها شرخ في الزمان نفسه. وبدأت كراسي الحجر الأسود تتصدع، صوت تشققهما كصوت قلب ينكسر.
ثم سمع العجوز الكلمات الأخيرة، وهي تهبط كحكم لا مرد له: “أنا قلت: إنكم آلهة، وبنو العلي كلكم. ولكن كآدم تموتون، وكأحد الرؤساء تسقطون”. فسقطت هيبة تلك الوجوه الجبلية، وذاب بريق عيونهم. لم يعودوا آلهة، بل عادوا بشراً ضعفاء، يرتجفون تحت ثقل الحقيقة. رأى عفان الظلمة تلفهم، كأنهم لم يكونوا في مكان النور أبداً.
رفع الشيخ عفان رأسه فجأة. كانت نسمة باردة لامست وجهه. نظر حوله فوجد السماء كما هي، والنجوم كديانات الفضيلة، ثابتة. سمع صوت كلب ينبح في البعيد، وبكاء طفل رضيع من بيت مجاور. تنهد تنهيدة طويلة، خرجت من أعماق قلبه. فهم الآن. فهم أن القضاة والحكام والسلاطين، كل من أعطي سلطاناً على الناس، هم في الحقيقة خدم، وليسوا أسياداً. هم ظل الله في أرضه، فإن عدلوا، كانوا كالسماء الممطرة رحمة، وإن جاروا، كانوا كالصخر الذي يسقط فيسحق.
نزل من سقف بيته ببطء، مفكراً في سوق البلدة غداً، وفي الوجوه التي ستقابله. قرر أن يزور القاضي في الصباح، ليس بمذكرة شكوى، بل بكلام من القلب، يذكره بأنه، في النهاية، ليس سوى عبد بين يدي القاضي الحق. لأن العدل، في النهاية، ليس مجرد قانون يُكتب، بل هو رحمة تتنزل من علٍ، وتطلب من كل ذي سلطان أن يتواضع، لعل الأرض لا تتزعزع.




