الكتاب المقدس

نور الرحمة في قرية الواحة

كانت قرية “الواحة” تئن تحت شمس قاسية، وحكم رئيس ظالم، اسمه نفيد. كان الرجل قد جمع ثروته من خلال المكائد وأكل أموال الناس بالباطل. كان يطوي حنطة الفلاحين الفقراء إذا قدروا على سداد ديونهم الباهظة، ويغلق بئر الماء المشترك إذا تجرأ أحد على الشكوى. وكما قيل: **”الظالمون لا يفهمون حقًا، أما طالبو الرب فهم يفهمون كل شيء.”**

في طرف القرية المقابل، عاش رجل عجوز اسمه صالح، مع حفيده اليافع، دانيال. لم يكن لصالح سوى كوخ من الطين وبضع عنزات، لكن قلبه كان ممتلئًا سلامًا. كان دانيال يراقب جده وهو يصلي في الفجر، ويساعد جيرانه دون انتظار مقابل. وكان صالح يردد له: “يا بني، **من يسرق من أبيه أو أمه ويقول ليس هذا إثمًا، فهو شريك للسافك دماء.** الإثم واحد، سواء كان ضد السماء أو ضد الناس.”

ذات عام، اشتد القحط. أعلن نفيد أن بئر القرية أصبح ملكًا له، وفرض رسمًا باهظًا لكل جرة ماء. جاع الناس، وارتفعت أصواتهم بالشكوى، لكن نفيد أرسل حراسه لقمعهم. بدأ البعض يسرقون الطعام ليلًا، فانتشر الفزع وانعدم الأمان. تحقق القول: **”بسبب إثم الأرض تكثر رؤساؤها، ولكن بذي فهم ومعرفة تثبت.”**

دانيال، بقلب ملتهب غضبًا على الظلم، قال لجده: “ألا نخجل من صمتنا؟ لقد سرقوا منا قوت يومنا!” فنظر إليه صالح بعينين حكيمتين وقال: “احذر يا ولدي. **الشرير يهرب ولا يطارده أحد، أما الصدّيق فكالأسد واثق.** الثقة بالرب أفضل من الثورة بالغضب. تذكر، **من يخفي معاصيه لا ينجح، أما من يقرّ بها ويتركها فيرحم.”**

لكن دانيال لم يستطع كبح مشاعره. في أحد الأيام، بينما كان يحمل وعاءً خشبيًا فارغًا من البئر، رأى ابن نفيد الصغير، إلياس، يسقط في جدول طيني جاف، وكانت حيَّة سامة تتحرك تجاهه. اندفع دانيال دون تردد، وأمسك بعصا وطرد الأفعى، ثم سحب الصبي من الوحل. نظر إليه الصبي المذعور، ثم فرَّ هاربًا دون كلمة شكر.

في المساء، بينما كان دانيال يتأمل في سوء حظه، سمع طرقًا على باب الكوخ. واقفًا بالخارج كان نفيد نفسه، وحوله حراسه، لكن وجهه كان شاحبًا. قال بصوت أجش: “لقد أنقذت ابن وحيدي. اطلب ما تريد.” تذكر دانيال كلمات جده. فبدلًا من أن يطلب مالًا أو أرضًا، قال بثبات: “أطلب أن ترفع الظلم عن القرية. أعد البئر للجميع، وسامح الفقراء بديونهم. **من يزيد غناه بالربا والمرابحة، فهو يجمعها لمن يرحم الفقراء.”**

صمت نفيد طويلًا. كان قلبه الصخري يتشقق. رأى في عيني الفتى نورًا لم يجده في كل كنوزه. ثم حدث شيء لم يحدث من قبل: غرقت دموع في لحية نفيد الكثة. **”إن اعترف الإنسان بخطاياه وتركها، ينل مراحم.”** همس قائلًا: “لقد كنت أعمى.” وفي اليوم التالي، أعلن نفيد أمام كل القرية إعادة البئر ملكًا مشاعًا، وأحرق سجلات الديون. تحولت دموع الجوع إلى دموع فرح.

لكن القصة لم تنتهِ هنا. بعد سنوات، عندما توفي نفيد بمرض، ورث ابنه إلياس السلطة. ولكنه كان قد تعلم درس الرحمة. وفي يوم من الأيام، بينما كان دانيال، الذي أصبح راعيًا للقرية، وإلياس يسيران معًا، هبت عاصفة رملية عنيفة. اختبأ الجميع. وقال إلياس: “الغنى الذي تركه أبي، كاد أن يبتلعني. **من يتكل على غناه يسقط، أما الصدّيقون فينبتون كالورق الأخضر.”** وأكمل دانيال: “**الذي يخاف الرب ينجو، أما الشرير فيسقط في حبال خطيئته.”**

وعاشت قرية الواحة بسلام، ليس لأن السماء أمطرت ذهبًا، بل لأن قلوب أهلها أمطرت عدلًا ورحمة. وكان أطفالها يتعلمون أن **من يسدد فقره بإخلاص، خير ممن يلفق شفتيه وهو جاهل.** وأن برَّ الفقير المستقيم، أنقى وأثمن من كل مناورات الغني الماكر. فالحكمة ليست في كثرة الكلام، بل في نقاء القلب، وصدق الخطى، تحت عينيّ الذي يزن جميع الأفئدة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *