بسم الله الذي يكلّم الأنبياء في الزمن الصعب، والذي يضع كلمته في أفواه من يشاء، وإن كانت الأرض كلها قد ثقلت بظلامها.
كان الهواء في تلك الأيام التي تلت سقوط أورشليم الأولى، وقبل الخراب الأخير، ثقيلاً كالصوف المبلول. لم يكن غباراً عادياً، بل غبار قلوب محطمة، ورماد ذبائح أُقيمت على تلال غريبة. في ذلك المخيم قرب نهر خابور، حيث جلس الشعب في منفى مبكر، كان الصمت أحياناً أعلى من صوت النحيب. وكان هناك رجل اسمه عفريت، ليس مشهوراً ولا رئيساً، لكن قلبه كان مرتعاً للحيرة.
جاءوا إلى النبي حزقيال، كما جرت العادة، وجلسوا أمامه يتطلعون إلى وجهه المقسوم بين النبوة والحزن. جلس عفريت بينهم، لكن قلبه كان مشغولاً. فقد أبقى في قرارة نفسه على صورة صغيرة لإلهة الخصب الكنعانية، عشتار، مصنوعة من عظام ملوّنة. لم يكن يعبدها علناً، لا، ولكنه في خلواته كان يتوسّل إليها أن تردّ له ابنه الذي مات في المجاعة عندما حاصرت جيوش نبوخذ نصر المدينة. كانت تلك الصورة حجر عثرة في قلبه، حاجزاً منيعاً بينه وبين السماء.
وفي ذلك اليوم، عندما اجتمع الشيوخ، يبدو أن ريحاً غريبة هبت في الخيمة. لم تكن ريحاً عادية، بل كأنها تحمل همساً قديماً. وقف حزقياب فجأة، وكان وجهه شاحباً كالجبس تحت القمر. قال: “هكذا جاء إليّ كلام الرب”. وصمت الجميع، حتى صوت ذبابة على جلد خيمة توقف.
تكلّم الرب بأمرٍ مُرّ: “يا ابن آدم، هؤلاء الرجال قد أقاموا أصنامهم في قلوبهم، ووضعوا حجر معثرة إثمهم قدام وجوههم. هل يُسألون من قبلي؟”
شعر عفريت بكأن سكيناً من جليد اخترق صدره. كيف عرف؟ كيف رأى ما في الخفاء؟ كان يحاول أن يخفي حتى عن نفسه تعلّقه بالتميمة العاجية، ذلك الأثر الباقي من أيام السلام والغنى الزائف. لكن الرب كان يرى إلى العمق، إلى ذلك المكان الذي يختبئ فيه الخوف والإيمان الزائف معاً.
ثم سمع الحكم، كصوت رعد بعيد يأتي من مكان لا تُدركه العيون: “لذلك كلّمهم وقل لهم: إذا سألني إسرائيل، أي نبي كان، فأنا الرب أجيبه حسب كثرة أصنامه. لكي أُمسك قلب إسرائيل الذين قد تغربوا عني بكل أصنامهم.”
كانت الكلمات تسقط كحجارة سوداء في بركة ساكنة. كان العقاب شخصياً، مروّعاً في دقته. سيُجيب الرب، لكن ستكون الإجابة وفق حالة القلب الخائنة. ثم جاء الوصف الذي جمد الدم في العروق: مجاعة، ووحوش رديّة تسلب الأولاد، وسيف، ووباء. أربعة أحكام قاسية، كاملة، لا تُرد. وإن كان في وسط الأرض ثلاثة رجال أبرار: نوح، ودانيال، وأيوب، فلن ينقذوا إلا أنفسهم ببرهم، ولا يُعفى عن البيت ولا عن البنين. البر شخصي، والعقاب شامل.
بكى عفريت في صمت، ودموعه كانت حارقة كالملح على جرح مفتوح. رأى بعين الخيال، التي أوقدتها كلمات النبي، سهام الجوع وهي تدقّ أبواب البيوت الواحد تلو الآخر. سمع زئير الأسود التي لا تخشى البشر، قادمة من البراري لتفترس كل حي. رأى السيف اللامع في يد جندي بابلي مجهول الوجه. وشعر بحمى الوباء وهي تلتصق بجلده. كل هذا لأنه أبقى صنماً صغيراً في زاوية قلبه المظلمة.
ثم جاءت الكلمات الأقسى، التي بدت كخاتمة من حديد: “ويكون لي للاسم، ولا تعودون ترون رؤية باطل ولا تعودون تُنجمون عرافة، وأُخلّص شعبي من يدكم فتعلمون أني أنا الرب.”
غاب النور عن عيني عفريت. لم تكن هذه مجرد عقوبة على عبادة الأصنام. كانت قضاءً على كل محاولة للالتفاف على الإرادة الإلهية، على كل استنجاد بوساطة كاذبة. لقد أغلق الرب الباب على التنجيم والعرافة، على كل تلك المسالك الملتوية التي كان الشعب، وهو نفسه، يلجأ إليها طلباً للأمان. لم يعد ثمّة خلاص إلا به وحده، وطريقه الوحيد.
خرج الرجال من أمام النبي، وخطواتهم ثقيلة كأنها تسحب سلاسل. لم ينظر عفريت إلى أحد. مشى إلى خيمته المتواضعة، وأخذ التميمة الصغيرة من مخبئها تحت حصيرة نومه. نظر إليها طويلاً. لم تكن جميلة. كانت مجرد قطعة عظم منحوتة بشكل غامض. لكنها كانت تمثّل له عالم الأمان الوهمي، عالم الآلهة القريبة التي تُسترضى بالهدايا والبكاء.
خرج إلى أرضٍ مقفرة قرب المخيم، وحفر حفرة صغيرة بعصاه. ألقى التميمة فيها ودفنها، ثم رفع عينيه إلى السماء المليئة بسحبٍ داكنة. لم يقل شيئاً. لم تكن هناك كلمات. كان هناك فقط فراغ هائل في قلبه، فراغ أليم، لكنه كان نظيفاً لأول مرة منذ سنوات. لم يكن فيه صنم.
وعلم في أعماقه أن المجاعة قادمة، وأن الوحوش قادمة، وأن السيف قادم. ولكن في ذلك الفراغ النظيف، في ذلك المكان الذي أزال منه الحجر العثرة، ربما، فقط ربما، يمكن لكلمة الرب أن تجد مسكناً. وربما في ذلك اليوم العصيب، عندما يُجري الرب قضاءه المخيف، سيبقى لهذا القلب الخالي من الأصنام أملٌ ضئيل، لا يستحقه، كظلّ رحمة في زمن الدينونة.
فالنبوة لا تُردّ، والقضاء لا يُحجَب. لكن القلب الذي يتنقّى، ولو في لهيب القصاص، قد يبدأ بفهم الاسم الجليل: “أنا الرب”. وربما كان هذا الفهم هو بداية الطريق، حتى في ظلّ دخان الخراب.




