الكتاب المقدس

بوابة الشرق المقدسة

كان الصباح ينسحب بخفة فوق السهول المحيطة بالمدينة، حاملاً معه ندىً بارِداً يلمع على أحجار السور الشرقية. وقف أليشع الكاهن في الدار الخارجية، تنساب أنفاسه كسحب صغيرة في الهواء البارد. كان اليوم هو يوم السبت، ومن بعيد بدأ يسمع همهمة الشعب يتجمعون عند البوابة الشرقية المغلقة، تلك البوابة التي لا تُفتح إلا في أيام السبت وأيام رأس الشهر.

دخل إلى القدس ليستعد. في يديه حُملّ سَفراً صغيراً من جلد غنم، حوافه متآكلة من كثرة المَسّ. لم تكن الكلمات مكتوبة فيه، بل كانت محفورة في قلبه. تذكر سنوات السبي، وتلك الرؤى التي كانت تأتي إلى النبي العظيم حزقيال، وكأنها نار تأكل القش. كانت التعليمات دقيقة، ثقيلة كالحجارة المنحوتة: “هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: بَابُ الدَّارِ الدَّاخِلِيَّةِ الْمُتَّجِهِ نَحْوَ الشَّرْقِ يَكُونُ مُغْلَقًا سِتَّةَ أَيَّامِ الْعَمَلِ، وَيُفْتَحُ يَوْمَ السَّبْتِ وَيُفْتَحُ يَوْمَ رَأْسِ الشَّهْرِ.”

خرج أليشع إلى الدار. الشمس الآن تلمس قمة الجبل، وضوؤها الذهبي يغسل المذبح الحجري الضخم. رأى الأمير يقترب مع حاشيته، ملابسهم بيضاء بسيطة، بعيدة عن زينة الملوك الدنيويين. كان الأمير من نسل داود، لكنه هنا، في هذا المقدس، كان كأي إسرائيلي آخر يقترب ليُصلي. تقدم الأمير حتى عتبة الباب، بينما وقف الكهنة يعدّون الذبيحة.

بدأت الطقوس. ستة خراف كاملة، وكبش، مع قياسات دقيقة من الدقيق والزيت. لم يكن الأمر مجرد ذبح وحرق، بل كان لغة. كل حركة، كل قياس، كان حرفاً في جملة مقدسة تُكتب نحو السماء. رفع أليشع نظره نحو البوابة الشرقية المفتوحة. كان المشهد من خلالها يأخذ نفساً. يبدو الوادي والجبال البعيدة كأنها إطار لوحة إلهية. تذكر كلمات الرؤيا: “وَيَدْخُلُ رَئِيسُهُمْ مِنْ دَاخِلِ الرِّوَاقِ، وَيَقِفُ عِنْدَ دَافِعَةِ الْبَابِ، وَيَعْمَلُ الْكَهَنَةُ ذَبِيحَتَهُ وَمُحْرَقَتَهُ، وَيَسْجُدُ عَلَى عَتَبَةِ الْبَابِ ثُمَّ يَخْرُجُ.”

ركع الأمير على العتبة، جبهته تلمس الحجر البارد. لم يكن سجود خضوع فحسب، بل كان اعترافاً. اعترافاً بأن القيادة هنا، في هذه الأرض المستعادة، مختلفة. ليست استبداداً، بل خدمة. ليست شهوة، بل قداسة. ثم انسحب الأمير، والباب يظل مفتوحاً حتى المساء، يسمح للناس بالدخول والخروج للصلاة من خلاله. كانت البوابة نفسها تتحول إلى رمز: فتحة في الحاجز بين الأرض والسماء.

بعد انتهاء الذبيحة، تحرك أليشع نحو الزاوية الجنوبية للدار. هناك كان الموضع المعدّ لطبخ الكهنة. رائحة اللحم المسلوق تملأ المكان، رائحة بسيطة، أرضية. حتى الطعام هنا له نظام: “يَسْلُقُونَ فِيهِ ذَبِيحَةَ الشَّعْبِ.” الفرق واضح: ما للرب يُحرق، وما للشعب يُسلق. كل شيء في مكانه. النظام ليس قيداً، بل هو تحرر من الفوضى التي سببت الدمار.

مع ارتفاع النهار، بدأ الناس يغادرون. وقف أليشع وحيداً مرة أخرى، ينظر إلى البوابة الشرقية التي ستُغلق عند غروب الشمس. في صمته، سمع صوتاً آخر، ليس صوت الشعب، بل صوت ماء. تذكر نبوة حزقيال عن النهر الذي يخرج من عتبة البيت. نظر تحت قدميه، وكأنه يتخيل تدفقاً صغيراً يبدأ من هنا، من مكان السجود، فينمو ويكبر حتى يصبح نهراً يعطي الحياة لكل شيء يلمسه.

رفع عينيه نحو السماء الزرقاء الصافية. كان النظام الذي رآه اليوم – أيام السبت، رأس الشهر، مواقيت الأمير، مقادير الذبائح – لم يكن مجرد قانون. كان لحناً. لحناً إلهياً يُعزف على أوتار الزمان والمكان، لحن النظام بعد الفوضى، والعهد بعد الغربة، والحضور بعد الغياب. كانت كل ذبيحة نغمة في هذا اللحن، وكل صلاة من الشعب عبر البوابة المفتوحة كانت كلمة “آمين” تنبعث من القلب.

أدار ظهره للمذبح واتجه نحو مسكنه. الشمس تميل للغروب، وظل المقدس يمتد طويلاً كإصبع يشير إلى المدينة النائمة بسلام. في داخله، كان السلام ذاته يستقر. ليس سلام السكون، بل سلام النظام الإلهي، حيث يعرف الكل مكانه ودوره، من الأمير إلى أصغر طفل في إسرائيل، حيث البوابات تُفتح في أوقاتها، والنيران تُشعل على المذبح، والنهر، ذلك النهر المتخيل، لا يتوقف عن التدفق من قدس الأقداس، يحمل الحياة إلى كل أرض مقفرة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *