الكتاب المقدس

نداء اليوم: لا تقسّوا قلوبكم

كان الشيخ نعمان يجلس في ظل شجرة تين عتيقة، في فناء الكنيسة الصغيرة. كانت حرارة الظهيرة قد خبت، تاركةً دفء الشمس الذهبي ينساب عبر الأغصان. أمامه، جلس مجموعة من الشبان، وجوههم تتوق للفهم. لم يكن الشيخ يلقي درساً، بل كان يحكي. كما يحكي الجد لحفدته. أخذ نفساً عميقاً، ومرت يداه المتجعدتان على صفحات كتاب قديم.

“يا أبنائي، اسمعوا. الكتاب يتحدث اليوم عن بيت… وعن ساكن. وقلب قد يصلّب.”

أحد الشبان، ويدعى صفوان، قال: “لكننا نقرأ في رسالة العبرانيين… عن موسى وعن المسيح.”

ابتسم الشيخ نعمان، ونظر إلى الأفق حيث كانت الجبال تلوح كظل أزرق. “صحيح. ولكن قبل أن تفهم المقارنة، يجب أن ترى الصورة. تخيلوا معي… صحراء شاسعة، رمال لا تنتهي، وحرّ يذيب الحجارة. هناك شعب تحرر من العبودية، ولكن عقله ما زال مكبلاً بقيودها. وظهر قائدهم، موسى، رجل عظيم بحق. كان أميناً. نعم، أمين في كل بيت الله. مثل خادم مخلص، يرعى شؤون البيت العظيم، وينفذ أوامر صاحبه. كان نبياً يسمع كلمة الرب وينطق بها. كان مجداً.”

توقف، وسمع صوت حمامة تهبط على السقف. ثم واصل، وصوته يخفت أحياناً ويرتفع أحياناً، كنسيم متقطع.

“ولكن الكاتب – اسمعوه جيداً – يرفع أعيننا إلى ما هو أعظم. إنه يتحدث عن الابن. الابن الذي بنى البيت. لا تفكروا في حجارة وطين. فكروا في الكون كله، فكروا فيكم أنتم. هو الباني. وموسى، بكل عظمته، كان جزءاً من هذا البيت. الابن هو صاحب المجد، هو صاحب الكلمة الأخيرة. هو الذي نسمع صوته اليوم، إذا ما أرهفت آذان قلوبنا.”

صفوان حك جبينه. “ولكن ما الذي يربط هذا كله بنا، أيها الشيخ؟ نحن لسنا في صحراء.”

أغمض الشيخ عينيه للحظة. “أليست الحياة صحراء أحياناً؟ ألا تشعرون بالعطش، بالتيه، بالرغبة في العودة إلى ما هو مألوف، حتى لو كان عبودية؟ الشعب في البرية رأى عجائب. رأى البحر ينشق، والمن ينزل، والماء يتفجر من الصخر. ولكن القسوة كانت في قلوبهم. كل يوم كان اختباراً. وكانوا يختارون الشك. يختارون التذمر. يختارون تصلّب القلب. يقول الكاتب: ‘فلا تقسّوا قلوبكم كما في التمرّد، يوم التجربة في القفر.’ لقد جربوه، اختبروه، لم يصدقوه رغم كل ما رأوه.”

رفع إصبعه المتيبس. “القلب القاسي يا أبنائي، لا يصلب دفعة واحدة. بل كالحجر في النهر، تصقله المياه القليلة يوماً بعد يوم. كل مرة تسمع فيها كلمة رحمة وتقول ‘ليس الآن’. كل مرة ترى فيها نعمة وتشك في دوافعها. كل مرة تختبر فيها حضور الله وتتجاهله لصالح همّ عابر. قطرة، ثم قطرة، ثم يصبح القلب أصلب من صوان البرية.”

ساد صمت. فقط صوت أوراق التين تتحرك في نسمة خفيفة.

“ولهذا،” واصل الشيخ، وصوته حنوناً وجاداً، “يصرخ الكاتب قائلاً: ‘اليوم، إذا سمعتم صوته، فلا تقسّوا قلوبكم.’ اليوم. ليس غداً. ليس حين تكبرون أو تشعرون بضيق أكبر. اليوم. لأنه يوجد راحة. راحة حقيقية. ولكنه يحذرنا: انظروا إلى أولئك الذين خرجوا من مصر. لقد سمعوا أيضاً. لقد رأوا. ولكنهم لم يدخلوا الراحة بسبب عدم الإيمان. بسبب القلب الغليظ. دخلوا الأرض، نعم، ولكن الجيل الذي شكّ، الذي تمرد، سقط في الصحراء. لم تذق راحته.”

فتح الشيخ الكتاب مرة أخرى، ولكن عينيه كانتا على وجوه الشبان. “هل تفهمون؟ الإيمان ليس مجرد موافقة العقل. الإيمان هو ثقة تستقر في الأعماق، تدفعك للطاعة حتى عندما لا ترى الطريق. موسى كان أميناً لأنه آمن بمن هو أعظم منه. ونحن مدعوون لأن نكون أمناء للابن نفسه. بيتنا نحن، حياتنا كلها، هو بيته هو. نحن شركاء في الراحة، إذا تمسكنا بثبات الرجاء والافتخار إلى النهاية.”

بدأت الشمس تميل للمغيب، وصار الظل أطول. نهض الشيخ نعمان ببطء، متكئاً على عصاه. “اذهبوا الآن. وفكروا في قلوبكم. أين هي الآن؟ في البرية أم على عتبة الراحة؟ اسمعوا صوته اليوم. لا تؤجلوا. فالقلب القاسي قد لا يشعر بندائه غداً.”

ومشى بخطوات بطيئة نحو باب الكنيسة. والشبان بقوا جالسين، ليس في صمت الدرس، بل في صمت التأمل العميق. في أذهانهم، لم تعد كلمات الرسالة مجرد نص قديم، بل أصبحت نداءً حياً، يتردد في صحراء قلوبهم، داعياً إياهم لبناء بيت للإيمان، حيث يسكن ذاك الذي هو أعظم من كل نبي، وأمين أكثر من كل خادم.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *