منذ سنوات وأنا هنا، على شاطئ هذا الجزيرة القاسية. بطمس… اسمٌ ثقيل كصخورها الرمادية، وحيدٌ كطيور البحر التي تُصارع الرياح فوق أمواجه. لا يصلني هنا سوى عواء الريح وهدير الأمواج التي تتكسر كأنينٍ قديم على الصخور. كنت أجلس، كما أفعل كل مساء، حيث الصخرة المُسطحة التي تحمل آثار جرّ القوارب، أتأمل الأفق الذي يبتلع الشمس بلونٍ من الدم الباهت.
كان اليوم مختلفاً. لم يكن في السماء سوى لونٍ واحد: رمادي فولاذي بارد، يلامس الماء الرصاصي في خطٍ ضبابي غير واضح. حتى صراخ النوارس كان مكتوماً. شعرتُ بثقلٍ في الروح، ثقل ذكرى الأيام التي ولّت، ورفاقٍ رقدوا تحت التراب، وكلمات قالها ذلك النبيّ الناصريّ ظلّت تحترق في أعماقي. كنتُ أفكر في كنيسته… تلك الكنائس الصغيرة المنتشرة في مدن آسيا، تحمل بين جدرانها الطينية نوراً عجيباً، وتصارع ظلام العالم كشمعة في مهبّ ريح عاتية.
وفجأة، من خلف ذلك الصمت الثقيل، انشقّ صوت.
لم يكن كأي صوت سمعته من قبل. لم يكن كصوت الرعد، ولا كهدير الموج. كان كبوقٍ عظيم، لكنه لم يصدر من الأرض، بل من السماء ذاتها، ملأ فراغ الجزيرة كلها، واخترق عظامي حتى رجفت. التفتُّ حولي، ظننتُه صوت سفينة حربية رومانية تقترب، ولكن البحر كان خالياً. ثم سمعتُ الكلمات، واضحة، قاطعة، كأنها تُنقش على الهواء نفسه:
“أنا الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ. وَالَّذِي تَرَاهُ، اكْتُبْ فِي كِتَابٍ وَأَرْسِلْ إِلَى السَّبْعِ الْكَنَائِسِ”.
وقفتُ مرتعباً. كان قلبي يُخفق كطيرٍ حبيس في قفص الصدر. ثم رأيتُ ما جعل الروح تنسحب من جسدي كله.
في وسط الضباب الرمادي، كوّنت الأنوار نفسها. سبع شمعدانات من ذهب، عالية، مهيبة، تحترق بلهبٍ ذهبيٍ نقي لا يتذبذب في ريح الجزيرة. ونورها لم يكن كضوء الشمس أو القمر. كان ينبعث منه حياة، كأنه ينبض. وفي وسط تلك الشمعدانات، وقف شبهٌ لِابْنِ إِنْسَانٍ.
لكنه لم يكن كأي إنسان.
كان لباسه طويلاً، يصل إلى قدميه، منسوجاً من نورٍ أبيض ناصع، لم أرَ مثله في حرفيّي أفسس أو منسوجات صور. منطقة صدره كانت مُحكمة بحزامٍ من ذهب خالص، كأنه نُزّل من سماء أخرى. رأسه وشعره كانا أبيضين كالصوف النقي، كالثلج الذي يغطي قمم الجبال الشامخة في الشتاء، يتلألأ ببياضٍ يلمع دون أن يؤذي العين. وعيناه… كانتا كلهيب نار. نظرتُ إليهما للحظة، فكأنما رأيتُ كل خفايا قلبي، كل فكرٍ قديم، كل خطيئة وكل حنين، مُكشوفة في ضوء هاتين العينين الناريتين. نُكرتُ وجهي، ولم أستطع احتمال ذلك النور الذي يرى كل شيء.
وقدَماه تشبهان النحاس اللامع، كما لو كانا مُحمّيتين في أتونٍ من نار. وصوته، عندما تكلم مرة أخرى، كان كصوت مياه كثيرة، كالشلالات العظيمة التي تسقط من مرتفعات أرمينيا، مُزمجراً، عظيماً، يملأ الوجود كله ولا يُرد. وفي يمينه، كانت سبعة كواكب، نجومٌ صغيرة من نور ممسوكة بسلطان. ومن فمه، خرج سيفٌ ماضٍ ذو حدين، من نورٍ خالص، كأن الكلمة نفسها قد صارت سلاحاً يُفلق الظلمة.
ولم أكد أراه، حتى سقطتُ إلى قدميه كالميت. لم تكن فيّ قوة ولا وعي. كان الجلال والحَول والقوة مُتجسدة أمامي، وأنا، تراب ورماد. شعرتُ بثقل مجده يُسحق كياني، كحشرة تحت نعل حجر.
ثم، شعرتُ بيدٍ على كتفي. كانت يده اليمنى، تلك التي تمسك الكواكب. كانت حرارة فيها لا تُحتمل، كالنار، لكنها لم تُحرق. كانت حرارة حياة. وسمعتُ صوته، ذلك الصوت كالمياه الكثيرة، ولكنه الآن هادئ، عميق، يهزّ الأعماق:
“لا تَخَفْ. أَنَا هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، وَالْحَيُّ. كُنْتُ مَيْتًا وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الْآبِدِينَ. آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ. اكْتُبْ مَا رَأَيْتَ”.
رفعني بتلك اليد. وقفتُ، رجلاي ترتعدان، ولكن في قلبهما رجاءٌ غريب. نظرتُ إليه مرة أخرى. كان نوره يغمر الجزيرة كلها، وصخور بطمس الرمادية صارت كأنها من فضة تحت ضيائه. أخبرني بمعنى الرمز: الشمعدانات السبع هي الكنائس، والكواكب السبع هي ملائكتها. وأمرني أن أكتب.
جئتُ إلى الكهف الذي هو مسكني، وأنا أحمل في داخلي رعدة اللقاء، ووهج الرؤيا. أمسكتُ بالرقوق والقلم بيدٍ مرتعشة. الضوء الذي رأيته لا يزال محفوراً خلف جفنيّ. والكلمات التي سمعتها تدوي في أذنيّ. والآن، أبدأ بالكتابة: “رُؤْيَا يوحنَّا…”، كلمات لن تكون لي، بل ستكون شهادة للذي رآه قلبي، والذي أمسكتْ به عيناي، والذي أمرني أن أنقل نبأ حضوره، وهو واقفٌ بين منائر الذهب، حياً إلى أبد الآبدين.




