الكتاب المقدس

محرقة القلب النادم

كان الجوّ ثقيلاً تحت شمس الظهيرة، والغبار الأصفر الباهت يعلو مع كل خطوة يخطوها أليشاف على الأرض اليابسة. كان يحمل الهمّ في صدره قبل أن يحمل الحمل، همٌّ غامض كظلّ خيمة ممتدّ، يرافقه منذ أن لفظت أمّته الأخير في الليلة الباردة. شعور بالثقل، ببعدٍ ما عن وجه الربّ الذي يسير معهم في عمود النار والغمام. وصل إلى مدخل خيمة الاجتماع، فوجد هناك حركة لا تكفّ: رجالٌ يقيّدون حملاناً، ونساءٌ ينتظرن بخشوع، وكهنةٌ في أثواب من الكتّان النظيف يتنقلون بين المذبح والمغسلة. رائحة غريبة تملأ المكان، رائحة خشبٍ وزيتٍ ودخانٍ.

اقترب من الكاهن العجوز، أليعازر، الذي كانت عيناه عميقتين كبئر في صحراء. “جئت، يا سيدي، أريد أن أقرّب قرباناً محرقة… كما أمر الربّ.” صوت أليشاف كان خافتاً، مشوباً بتردد. نظر إليه أليعازر نظرة طويلة، ثم أومأ برأسه ببطء، ليس كمن يؤدّي طقساً، بل كمن يفهم تماماً ما في القلب الذي يقف أمامه. “اختر من البقر أو من الغنم أو من الطير، ما تيسّر لك، ولكن ليكن ذكراً بلا عيب. الأمر ليس في ثمن الحيوان، يا ابني، بل في ما تمثله النفقة من قلبك.”

عاد أليشاف إلى قطيعه الصغير على أطراف المعسكر، واختار كبشاً قوياً، أسود الرأس، كانت عيناه الهادئتان تنظران إليه بثقة. رافقه في رجوعه إلى الخيمة، وكان صوته يخون مشاعره وهو يهمس: “عليك أن تحمل ما لا أستطيع أن أحمله وحدي”. عند المذبح النحاسي، المواجه لمدخل الخيمة، وقف الكاهن مرة أخرى. “ضع يدك على رأسه،” قال أليعازر بلطف. فعل أليشاف ذلك، وشعر بدفء جسد الحيوان تحت كفه، وبرجفة خفيفة تمرّ فيه. في تلك اللحظة، أدرك شيئاً: هذا ليس مجرد نقل ذنب، بل هو اعتراف صامت بأن الحياة التي سُتُزهَق كانت بديلة، جسرٌ بين ما هو ناقص وما هو كامل.

بعدها، بيد راسخة لم تكن متوقعة منه، ذبح أليشاف الكبش بالمشرط الحادّ الذي قدمه له الكاهن. صوت حنجرة الحيوان وهو ينقطع، وصوت الدم الدافئ وهو يندفع ليُجمَع في طست. مشهد الحياة وهي تتبارى مع الموت، لفترة وجيزة، أمام عينيه. ثم جاءت مهمة الكاهن: رشّ الدم على المذبح من كل الجوانب، حركة سريعة ومحكمة، كل قطرة لها مكانها. الدم، سائل الحياة، يُقدّم حول المذبح. كانت الرائحة معدنية حادة تختلط مع رائحة التراب.

ثم شرع أليشاف، بتوجيه من الكاهن، في سلخ الجلد وتقطيع اللحم إلى قطع. كانت الأيدي تعمل، والعقل في مكان آخر، في تأمل صامت. كل قطعة كانت توضع بترتيب: الرأس، الشحم، الأعضاء الداخلية، الأرجل. كلها تُغسل بماء نظيف، كتطهير رمزي. “الماء يُطهر الظاهر، ولكن النية هي التي تطهر الباطن،” همس الكاهن وهو يشاهد.

وضع أليعازر القطع على المذبح، فوق الحطب المرتّب. ثم أخذ النار من على المذبح، النار التي أوصى الربّ ألا تنطفئ أبداً. أضرم الحطب، فبدأت النار تصعد، تلتهب، تلتهم القربان. الدخان الكثيف والأبيض بدأ يتصاعد، ملتفاً في عمود مستقيم نحو السماء الزرقاء الصافية. رائحة اللحم المحروق، رائحة ما يسمّونه “رائحة الرضا”، ملأت أنف أليشاف. وقف يراقب، والدموع تبللّ وجنتيه من غير أن يدري. لم تكن دموع حزن على الكبش، بل كانت دموع ارتياح غريب، كمن كان يحمل صخرة على صدره فزال ثقلها فجأة.

رأى النار تلتهم كل شيء، حتى الجلد الذي سلخه بيديه. كل جزء من الحيوان صعد مع الدخان. لا شيء بقي له. هذا هو المعنى: التكريس الكلّي. ليس جزءاً يذهب للربّ وجزءاً يُحفظ للبشر. الكلّ أو لا شيء. الشمس تميل نحو الغرب، وظلّ المذبح يطول. استغرق الحرق وقتاً، وقتاً طويلاً من الصمت المشحون. كان أليشاف لا يزال واقفاً، حتى بعد أن انتهى الكاهن من عمله وذهب ليغسل يديه.

شعر أخيراً بأنّ ذلك الثقل الغامض الذي حمله منذ أسابيع قد ذهب. لم يعد يشعر بذلك البعد. لقد رأى، بعينيه، الطريق الذي رسمه الربّ: حياة مكان حياة، دمٌ يُراق للعهد، نارٌ تأكل الخطيئة وتصعد بالقلب النادم. كانت الطقوس ثقيلة بالتفاصيل، دموية بصراحة، لكنها في صميمها كانت قصة حبّ غريبة: الله يقبل بديلاً، لأنه يعرف هشاشة الطين الذي خلق منه الإنسان.

عاد أليشاف إلى خيمته في الغسق، ورائحة الدخان لا تزال عالقة بثيابه. لكنه كان يشعر بنقاء مختلف. النظرية التي سمعها من موسى على الجبل أصبحت له حقيقة ملموسة. الربّ لا يريد مجرد طاعة عمياء، بل يريد قلباً يدرك ثمن الاقتراب، ويد تقدم أفضل ما لديها، ونفساً ترى في دخان المحرقة صورة لمصالحة أعظم، ستأتي في يومٍ ما، عندما لا يعود الحمل من القطيع، بل يأتي من السماء ذاتها.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *