كان الجو في مصر ثقيلاً ذلك الصباح، ليس كثقلة الرطوبة المعتادة التي تسبق فيضان النيل، بل ثقلاً مختلفاً، كأن السماء نفسها حَنَتْ كتفَيْها تحت وطأة شيءٍ قادم. موسى وهارون خرجا من بيتٍ متواضع في أرض جوشن، حيث كان بنو إسرائيل يقيمون، واتجها صوب القصر الملكي مرة أخرى. تراب الطريق كان ناعماً تحت أقدامهما، لكن موسى كان يحمل في قلبه ثقلاً من نوع آخر: كلمة الإله الذي لا يُرَدُّ أمره.
في الساحة الخارجية للقصر، حيث تنتشر تماثيل أبيس الآلهة وتحرسها أبو الهول الصامتة، وقفا أمام فرعون. لم يكن الفرعون جالساً على عرشه من حجر الديوريت ذلك اليوم، بل كان واقفاً، محاطاً بمستشاريه وكهنته، وكأنه استعد للمواجهة. “هكذا يقول الرب، إله العبرانيين”، بدأ موسى وصوته لا يرتجف، بل يملأ الفضاء الهادئ، “أطلق شعبي ليعبدوني”. كانت العبارة نفسها تتردد كصدى، ولكن الجو كان مشحوناً بذكريات الدم والنار والضفادع والذُباب.
نظر فرعون إليه، وتحت التاج المزدوج، كانت عيناه تُخفيان غضباً متأججاً ممزوجاً بشيء من الازدراء. “ولماذا أستمع لك؟” قال، “وأرضك ما زالت تئن من الضربة الأخيرة”. لكن الرب كان قد أعطى موسى أمراً آخر. “إن أبيت أن تطلقهم، وأصريت على الامساك بهم”، تابع موسى، “ها يد الرب تكون على مواشيك التي في الحقل، على الخيل، على الحمير، على الجمال، على البقر، وعلى الغنم. وباء شديد جداً”.
ساد صمت ثقيل. ثم انصرف موسى وهارون. لم ينتظرا رداً. وفي الغد، مع بزوغ الشمس، نفذت الكلمة. من حقول الدلتا الخضراء الممتدة على ضفاف النهر، إلى المراعي القريبة من الصحراء حيث تُرعى الجمال، ابتدأ الصوت يرتفع. صوت خوار البقر الذي يتحول إلى نشيج، وصهيل الخيل الذي ينقطع فجأة، ثم سقوط الأجساد الثقيلة على الأرض. لم تمس الضربة حيوانات بني إسرائيل في أرض جوشن، فكان منظراً عجيباً: راعٍ عبري يقف بجانب قطيعه السليم، بينما على التلة المقابلة، يسقط ثور مصري ميتاً، وتتجمع الذباب حوله سريعاً في الجو الحار.
أرسل فرعون من يتحقق، وعاد الرسول شاحباً. “كل ما للحيوانات من ملك المصريين قد مات”، قال بلهجة مختنقة. هرع فرعون بنفسه إلى شرفة عالية تُطل على بعض الحقول. رأى بعينيه الرعب المنثور كالغبار. الخسارة لم تكن عاطفية فحسب، بل اقتصادية وعسكرية فادحة. الخيل التي تجرُّ المركبات الحربية، الثيران التي تحرث الأرض وتدير الطواحين، الجمال التي تحمل التجارة… جميعها سقطت كأوراق الشجر الجافة. حتى الحيوانات في الحظائر، التي لم تكن في الحقل، نُقل إليها الوباء بطريقة ما، فماتت.
لكن قلب فرعون، تحت الصدمة، تشدد كالحجر. بل وأصبح أكثر تعنتاً. لم يطلق الشعب.
فأمر الرب موسى وهارون مرة أخرى. “قُوما صبّاحاً، وقفا أمام فرعون”، وقال لهما، “وَقُولا له: هكذا يقول الرب إله العبرانيين: أطلق شعبي ليعبدوني. لأني هذه المرة أرسل جميع ضرباتي إلى قلبك، وعلى عبيدك وشعبك، لكي تعرف أن ليس مثلي في كل الأرض. لو أني مددت يدي وضربتك أنت وشعبك بالوباء لكنت انقطعت من الأرض. ولكن لأجل هذا أقمتك: لكي أريك قوتي، ولتُخبَر باسمي في كل الأرض”.
كانت الكلمات تحمل تهديداً جديداً، ولكنها حملت أيضاً إعلاناً عن صبر إلهي غريب. ثم جاءت التعليمات الغريبة: “هوذا غداً نحو هذا الوقت، أجعل برَداً شديداً جداً، لم يكن مثله في مصر منذ يوم تأسيسها إلى الآن”. وأمرهما أن يحذرا الناس، وأن يجمعوا كل ماشيتهم وكل ما لهم في الحقل إلى البيوت.
وبالفعل، بعض عبيد فرعون الذين سمعوا الكلام وخافوا من قول الرب، أسرعوا بإجلاء عبيدهم ومواشيهم إلى الملاجئ. أما الذي لم يهتم بالكلام، فقد ترك عبيده وماشيته في الحقل.
وفي اليوم التالي، عند مد يد موسى نحو السماء، انفتحت أبواب الجحيم في الأعالي. لم يكن مطراً عادياً. بدأ بقطرات كبيرة متباعدة، ثم انهمرت كتل من الجليد، لكنها لم تكن كأي برد رأته مصر من قبل. كانت حجارة برد ضخمة، بعضها بحجم رغيف الخبز، تتساقط بقوة جنونية، مصحوبة بنار متقدة تختلط معها، فكانت تضرب الأرض وتُشعل النار في كل ما تلمسه. البرق كان يتقاذف في السماء كألسنة ثعابين غاضبة، والرعد هدر هديراً لم يسمع له مثيل، حتى إن بعض كبار السن قالوا فيما بعد إنه كان صوت الإله نفسه وهو يزأر.
دكت الحقول. تحطم كل عشب في الحقل. تكسرت كل شجرة. في أرض جوشن، حيث كان بنو إسرائيل، لم يكن هناك برد. لكن في بقية مصر، كانت الضربة شاملة مرعبة. فقط في أرض جاسان، حيث الشعب المختار، كانت الشمس ساطعة والطقس هادئاً، وكأن حدود الأرض رسمت بقلم نوراني.
وفي وسط هذه الفوضى المدمرة، أرسل فرعون يدعو موسى وهارون على عجل. اعترف هذه المرة: “أخطأت هذه المرة. الرب هو البار، وأنا وشعبي الأشرار. صليا إلى الرب. كف عن الرعود والبرد، فأطلقكم ولا تعودون تمكثون أكثر”.
خرج موسى من المدينة، خارجاً من أمام فرعون، ومد يديه. فتوقف الرعد والبرد، والمطر لم يعد ينسكب على الأرض. لكن فرعون، حين رأى أن المطر والبرد والرعد قد كفّت، عاد فأثم، وثقل قلبه هو وعبيده. فتشدد قلب فرعون فلم يطلق بني إسرائيل، كما تكلم الرب على لسان موسى.
وهكذا، بينما كان الدخان يتصاعد من الأرض المحروقة، والحيوانات النافقة تملأ الحقول، والثمار المدمرة تتساقط من الأشجار المكسورة، ظل شعب الله محتجزاً. ولكن في قلب العاصفة السابقة، وفي جفاف القلوب المتصلبة، كانت تدق ساعة الخلث ببطء، وكانت قوة الذي تكلم من العلاء تظهر، قطعة قطعة، حتى يعرف الجميع، من مصر إلى أقاصي الأرض، أن ليس مثله في كل الأرض.




