كان الظلام ينسحب من أودية أورشليم بصمت، تاركًا خلفه ضبابًا رطبًا يلمع تحت أولى خيوط النهار. جلستُ على حصيرتي البالية أمام منضدة من خشب الزيتون المُشَقَّق، أتلمّس بقلم القصب بين أصابعي. البرد الليلي ما زال عالقًا في عظامي. أمامي، رقعة من جلد غزال ممتدّة، تنتظر أن تنقش عليها الأسماء. ليست أسماء عادية، بل غبار من ذاكرة شعب. غبار يجب أن يُجمع قبل أن يذروه رياح النسيان.
هكذا بدأ عملي اليوم، كما بدأ أمس وسيبدأ غدًا. مهمتي منقوشة في قلبي قبل جلدي: تدوين الذين عادوا. العائدون من سبي بابل، الذين تشبثوا بالوعد كما يتشبث الغريق بقطعة خشب. لم يعودوا أسيادًا، بل ناسًا بسطاء يحملون في عيونهم وهجًا غريبًا، خليطًا من جراح الماضي ورجاء المستقبل.
أبدأ، كما أمرني رئيس الكهنة، بيهوذا. لا أكتب “سبط يهوذا” فحسب، بل أحاول أن أرى الوجوه خلف الأسماء. هناك فتئيل، الذي عاد مع أولاده الأربعة. يقولون إنه كان يعمل في بابل ناقلًا للطوب، وأصابعه المتشققة كانت تحلم دائمًا بلمس حجارة هيكل لم يره. وبجانب اسمه، أذكر عثنيا بن عزيّا. هذا الرجل، كما سمعت، كان يحفظ مزامير داود عن ظهر قلب ويُرددها وهو يحفر أساسات بيته الجديد في حارة اليهود.
تنقل القلم إلى بنيامين. عددهم كبير، تسعمائة وستة وخمسون رجلاً. أتوقف عند اسم “سَلُّو”. قيل لي إنه شيخ طاعن في السن، حمل معه من بابل جرّة صغيرة فيها تربة من قبر راحيل. زرعها في فنائه هنا. عندما أذكر اسمه، أتخيل يديه المرتعشتين تلمس تلك التربة كل صباح، صلاة بلا كلمات.
ثم يأتي دور الكهنة، بني هرون. هؤلاء رجال الخدمة، حملة الأسرار. أتدقق في أسماء عائلتي يدعيا ويموئيل. أعرف أن منهم من كان يحرس العتبات في بابل، ليس عتبات هيكل، بل عتبات بيوت التجمع السرية حيث كانوا يصلون نحو أورشليم. والآن، ها هم يحرسون أبواب بيت الرب الحقيقي. أكتب واجباتهم بتوقير: “وكانوا هم حرس العتبة في خيام بيت الله”. أتخيل وقفاتهم الطويلة، صامتين، كأنهم أعمدة حية تذكّر الجميع أن هذا المكان مختلف.
اللاويون. يا لثقل هذه الكلمة! ليسوا كهنة، لكنهم خدمة وموسيقى وحراسة. أتوقف طويلاً عند عائلة آساف. المنشدون. أحاول أن أسمع في أذني عقلي أصداء تراتيلهم الأولى الخافتة، التي ارتفعت بين الأنقاض. لم تكن عظيمة بعد، بل مرتعشة، كطفل يتعلم المشي من جديد. هناك متانيا أيضًا، حارس الخزائن. أتساءل: ماذا يحرس؟ آنية قليلة، ربما بعض أدوات الخدمة البسيطة. لكن في عينيه، هي كنوز سليمان كلها.
الحُرّاس. أسماءهم تملأ السطر تلو السطر: شلوم وعقوب وطلخون… كانوا نُقباء على أبواب المخيم في البرية، والآن هم على أبواب المدينة. يقفون على الأسوار المتهدمة، ينظرون إلى الخارج حيث خطر المجهول، وإلى الداخل حيث يكافح شعبهم ليبني ليس الجدران فقط، بل الحياة نفسها.
أكتب عن الشيلونيين، سكان الحي القديم. عن من يعملون في خدمة البيت، “لأنهم بالأمانة كانوا يُقيمون على عملهم”. هذه العبارة تعلق في ذهني. الأمانة. لم تكن الأمانة في مجد الملك سليمان، بل هي الآن في رفع حجر، أو إشعال فتيلة، أو غسل إناء. الأمانة في الزمن الصعب هي الإيمان الحقيقي.
أرفع نظري عن الجلد لحظة. الشمس ارتفعت الآن، ودخل نورها من النافذة الضيقة، فضاءً ذهبياً يسبح فيه غبار الغرفة. أسمع من الخارج أصوات الحياة: نقر معول، صرير عربة، صوت امرأة تنادي ولدها. هذه هي الموسيقى التي ترافق كتابتي.
أعود إلى الأسماء. أتذكر قابس بن مسُلام، رئيس عائلة لاويين. قيل لي إنه جلس عند عين جيحون لثلاثة أيام قبل أن يقرر مكان بناء بيته، كي يكون قريبًا من مصدر الماء والحياة. حكمة البساطة.
أخيرًا، أمرٌ لا بد منه: ذكر شاول وبنيه. أكتب الاسم وأنا أعلم أن القارئ سيعرف ما سيأتي بعده. إنه جذر داود، الشجرة التي ستُنبت من جذعها المسيح. لكني الآن لا أكتب عن الملوك، بل عن رجل من بنيامين، عاد إلى أرضه مثل الباقين. أكتب عن عائلته، عن يوناثان ومرُيب بعل. الأسماء تحمل تاريخًا ثقيلاً.
تصل أصابعي إلى نهاية الرقعة. الأسماء ممتدة مثل حقل من الشواهد الصغيرة. كل اسم عالم: تعب، حنين، صلاة، بداية جديدة. لستُ مجرد ناسخ؛ أنا شاهد. أشهد أنهم عادوا. أشهد أن الوعد لم يمت. أشهد أن الله، في صمته الظاهر، كان يعمل في تفاصيل هؤلاء الناس العاديين: في حراسة الباب، في ترنيمة الصباح، في دفع عجلة العربة المحمّلة بالحجارة.
أنفخ على الحبر برفق كي يجف. أمسح جبيني. العمل ليس كتابة تاريخ، بل خياطة نسيج ممزق. كل اسم خيط. والناسج الحقيقي هو الذي يرى النمط الكامل من أول الجبل إلى آخره.
الآن، صلاة المساء تقترب. سأطوي الرقعة، وأخرج لأرى الوجوه الحية التي تكلمت عنها الأسماء. سأرى فتئيل وهو يبني حائطًا، وسأسمع تراتيل آل آساف ترتفع مع دخول الليل. في هذه اللحظة، بين الماضي المكتوب والحاضر الحي، أشعر بأني لست مجرد كاتب سجلات. أنا حارس للذاكرة، وخادم للوعد. وأنفاسي، بين هذه الأسطر، هي نسمة من نسمات الروح القدس، التي ترف على المياه البدائية للفوضى، وتخلُص من جديد شيئًا فشيئًا، باسم بعد اسم، قلبًا بعد قلب.




