وكان النهر يتدفق ببطء تحت وهج الشمس الصيفية، يحمل في تياراته ذكريات المنفى البعيد. وقف عزرا على ضفته، تراب الطريق لا يزال عالقاً بثيابه، ينظر إلى الجماعة المنتشرة حوله. لم تكن مجرد قافلة، بل كانت قلوباً عائدة من شتات طال أمده. أخذ نفسه بلحظة صمت، تذكر فيها كلمات الرب، ثم استدار ببطء نحوهم.
“هنا سنمكث أياماً ثلاثة”، قال وصوته يحمل وهناً خفيفاً من التعب، “لنتأكد من أن كل واحد معنا، وأن لا ناقد من إخوتنا قد تخلف”.
تفرق الرجال بين الخيام المتناثرة على الضفة الخضراء، بينما جلس آخرون تحت ظلال الأشجار التي تميل بأغصانها نحو الماء. كان الجو حاراً، ولكن نسمات النهر – نهر أحَواء – كانت تحمل معها شيئاً من الراحة. في تلك الأيام الثلاثة، لم يكن الأمر مجرد تعداد، بل كان مراجعة للقلوب. كان عزرا يمر بين الجماعات، يسأل، يستمع، يتأكد. وفي صباح اليوم الثالث، وجد نفسه يفتقر إلى اللاويين للخدمة في بيت الرب.
“كيف ندخل أورشليم، وهيكل الرب يقف بانتظار العبادة، وليس بيننا من يقوم بالخدمة؟” قالها لنفسه أولاً، ثم جمع بعض الرجال الأتقياء.
أرسل عزرا رجالاً إلى مكان يدعى كسفيا، حيث كان يقيم جماعة من اللاويين. وبعد أيام من الانتظار، عاد الرجال ومعه تسعة وثلاثون رجلاً من بني لاوي، يقودهم رجل فطِن يدعى شربيا، مع بنيه وإخوته. وابتهجت القلوب، لأن يد الرب كانت تيسر الطريق.
قبل الرحيل، دعا عزرا الجماعة إلى الصوم. “لنطلب من الرب طريقاً مستقيماً لنا ولأطفالنا ولكل ما معنا”، قال لهم، “فالطريق طويل والأخطار كثيرة، وقد استحيت أن أسأل الملك حراسة من جند وسُّيْر، لأننا كنا قد قلنا للملك: يد إلهنا مع كل طالبه للخير”.
فصاموا وطلبوا ذلك. وكانت الصلاة تصعد من ضفة النهر كبخور، مختلطة بخرير الماء وحفيف الشجر. وشعر عزرا بثقل المسؤولية، ليس فقط على الأرواح، بل على الكنوز التي يحملونها: الفضة والذهب والآنية المكرسة لهيكل الرب، والتي تبرع بها الملك وحاشيته وشعب إسرائيل في المنفى.
وزع عزرا الكنوز على رؤوس الكهنة واللاويين، رجلاً رجلاً، وهم وقفوا أمامه كشهود. وزن كل شيء أمامهم، وكل الوزنات مسجلة، كقول الكتاب. “أنتم مقدسون للرب”، قال لهم وعيناه تلمعان بدموع مختزنة، “والآنية مقدسة، والذهب والفضة تبرع طوعي للرب. احفظوها حتى تزنوها في أورشليم في خزائن بيت الرب”.
ثم ارتحلوا. كانت القافلة تتحرك ببطء، تحمل معها أكثر من الأمتعة. كانت تحمل رجاء جيل كامل. عبروا الصحاري، وتسلقوا الجبال، وحفيت أقدام الكثيرين، ولكن قلوبهم كانت ممتلئة إيماناً. مرت أيام وليالٍ، وكانت عناية الرب تحيط بهم، فلم تعترضهم عثرة، ولم يهجم عليهم معتد.
ووصلوا أخيراً إلى أورشليم. المدينة التي طالما حلموا بها، وقفت أمامهم في صمتها المهيب، جدرانها تحكي قصصاً قديمة، وأحجارها تئن تحت وطأة التاريخ. مكثوا ثلاثة أيام يستريحون من عناء الطريق، ثم في اليوم الرابع ذهبوا إلى بيت الرب.
وقف عزرا والكهنة واللاويون في الدار، وقدموا الفضة والذهب والآنية. وزنوها هناك، كل قطعة، وكل وزن. وسجل العدد كله، كما أمر الرب. ثم قدم العائدون محرقات للرب، ثيراناً وكباشاً وخرفاناً، ذبيحة خطية عن جميع إسرائيل.
وسلَّموا أوامر الملك إلى ولاة عبر النهر، فدعموا الشعب وبيت الرب. وكانت نهاية الرحلة بداية جديدة، كمن يغرس شجرة في أرض جافة بعد سنين، ويسقيها بماء من نهر بعيد، ويترقب بصبِر أوراقها الخضراء تحت شمس الوعد.




