الكتاب المقدس

صلاة من أعماق الضياع

سمعتُ صوتَ نفسي يخرجُ من أعماقي، كصدى ضائعٍ في وادٍ سحيق. كان صراخاً، نعم، لكنه لم يكن صراخَ جبانٍ أو مهزوم. بل كان صراخَ إنسانٍ التقط آخرَ أنفاسِ الرجاء في صدره، ونفخَ فيها ليصنعَ منها صلاة. “اسمع يا اللهُ تضرعي، أصغِ إلى صلاتي”.

كنتُ هناك، عند حافةِ العالمِ كما بدا لي. ليست حافةً جغرافيةً تراها العيون، بل حافةٌ داخليةٌ حيث تتآكلُ اليقينيات، وحيث تهمسُ الرياحُ الباردةُ بأسئلةٍ لا جوابَ لها. من “أقصى الأرض” أدعوك. والأرضُ هنا هي اتساعُ الفراغِ الذي يشعرُ به القلبُ عندما يبتعدُ عن موطئِ قدميه. كانت الريحُ تجرفُ رمادَ الذكرياتِ الجميلةِ أمام عينيّ، وكلما هممتُ بالتقاطِ واحدةٍ، كانت تتحولُ بين أصابعي إلى غبار.

لكن في هذا الضياعِ بالذات، ولدتِ الرؤية. رفعتُ عينيّ عن رمالِ اليأسِ المتحركة، ونظرتُ إلى الأفق. لم يكن هناك سوى خطٍّ رماديٍّ بين السماءِ والأرض. ثم فهمتُ. “إلى صخرٍ أرتفعُ منّي تهديني”. لم أكن أبحثُ عن طريقٍ ممهدٍ أو جسرٍ مريح. كنتُ أطلبُ الصخر. ذلك الشيءُ الثابتُ الذي لا يتزحزحُ، الأعرى من كلِّ زينة، الأقسى من كلِّ عاطفة، والأمتنُ من كلِّ قوةٍ بشرية. هو أعلى منّي، لا أستطيعُ بلوغَ قمته بقوتي، ولكنه مع ذلك يقدمُ ظلاً وملجأ. فمن يقفُ عند سفحِ الصخرِ العظيمِ يحتمي.

لقد كنتَ ملجأً لي، برجَ قوةٍ في وجهِ العدو. كم مرةٍ هربتُ إليك، وأنا أسمعُ خُطَى الاضطرابِ تلاحقني؟ كنتَ كالبرجِ القديمِ في المدينةِ العتيقة، حجارتُه السوداءُ تحملُ آثارَ القرونِ والحروب، لكنه واقفٌ. تدخلُ فيه، فتسمعُ هديرَ العالمِ يخفتُ إلى همسة، ويغمرُك سلامٌ غريبٌ مصنوعٌ من صمتٍ عتيق.

لذا فهذا طلبي، وهذا نذري الذي قطعتهُ عندما كان قلبي خفيفاً والإيمانُ يانعاً كالتينةِ في شهرِ آب: “أريدُ أن أسكنَ في خيمتك إلى الأبد”. لا أطالبُ بقصرٍ منيف، بل بخيمة. تلك الخيمةُ المتنقلةُ التي تسيرُ مع شعبك في البراري. أريدُ أن أكونَ حيثُ تكونُ أنت، حتى لو كان ذلك يعني الترحالَ وعدمَ الاستقرار. أريدُ أن أحتمي “تحت ظلِّ جناحيك”. يا له من تصوير! ليس جداراً حصيناً، بل جناحٌ رخوٌ دافئ. إنه الأمانُ الذي تقدمهُ الطيرُ لفراخها، أمانٌ حيٌّ نابضٌ بالحنانِ والقدرةِ معاً.

لأنك أنت يا اللهُ، سمعتَ نذوري. أنت الذي منحتني “ميراثَ خائفِي اسمِك”. ذلك الميراثُ ليس أرضاً أو ذهباً، بل هو العلاقةُ معك. إنه الاسمُ الذي يُخشى ويُحب، الذي يهزُّ القلبَ خشوعاً ويملؤهُ اطمئناناً. لقد أعطيتني حياةً أطولَ من حياتي، وأعطيتَ الملكَ أياماً تُضافُ إلى أيامه. “أياماً على أيامِ الملكِ تزيد، سنيه كجيلٍ فجيل”. إنها صلاةٌ من أجلِ الاستمرارية، من أجلِ أن تمتدَّ حكمةُ الملكِ وصلاحُه عبر الأزمان، كشجرةٍ معمرةٍ تظللُ أجيالاً لم تولد بعد.

“ليجلسُ إلى الأبدِ أمامَ الله”. هذه هي الغاية. ليس المجدُ، ولا القوةُ، ولا الثروة. بل الجلوسُ أمامَك. أن يكونَ وجهُك مرآته، ومشيئتُك طعامَه وشرابَه. فهناك، في حضرتك، يُحفظُ بالرحمةِ والحق. الرحمةُ التي تمنحُ الغفرانَ للمخطئ، والحقُ الذي يقيمُ الصريحَ في مكانه. لا ينفصلُ الاثنان. رحمتُك ليست ضعفاً، وحقُّك ليس قسوةً. هما جناحاكَ اللذانِ تحتَّمي تحتهما.

فحينَ يحدثُ هذا، حينَ يجلسُ القلبُ – ملكُ كياني – أمامك، وتجتمعُ الرحمةُ والحقُ في حكمه، عندها “أرنمُ لاسمك إلى الأبد، لأوفي نذوري يوماً فيوماً”. تصيرُ الحياةُ ترنيمةً واحدةً طويلةً، وتصيرُ النذورُ – تلك الوعودُ التي نقطعها في لحظاتِ الذروةِ ثم ننساها في السهولِ المنخفضة – تُوفي يوماً بيوم، كقطراتِ ندى تروي العشبَ باستمرار.

ها أنا قد عدتُ. لستُ عندَ “أقصى الأرض” بعد الآن. لأن الصخرَ وجدتهُ في صحراءِ روحي، والبرجَ دخلتُه من بابِ الانهيار، والخيمةَ نصبْتُها في فضاءِ قلبي. والجناحان؟ إنهما يرفانِ عليّ الآن، وأنا أكتبُ هذه الكلمات، في صمتِ الغرفةِ التي تحولتْ إلى مقدس. لأن كلَّ مكانٍ تصيرُ فيه… هو بيت.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *