كانت أورشليم نائمة تحت رداء من صقيع الشتاء، ولكن نومها لم يكن هانئاً. فقد اختلطت رائحة زيتون التلال المحترق من جراء الغزوات الأخيرة، برائحة الخبز الطازج الذي تُعِدُّه الأمهات خلسة في بيوتهن المهدَّمة. كان الصمت ثقيلاً، كأنه جدار غير مرئي يضغط على صدور الناس، حتى باتوا يتنفسون همساً. لم تعد أبواب المدينة تتحرك إلا لاستقبال الغزاة أو إخراج جثث الفقراء الذين لم يحتملوا العار والجوع.
وفي عمق هذا الظلام، كان هناك رجل اسمه أليافاز. كان شيخاً تجاوز السبعين، عيناه كعيني نسر شاخصتين نحو السماء دوماً، لكنهما لم تعدا ترَيان سوى السحب الرمادية. كان يجلس في زاوية من زاوية ما كان يُعرف ببيت الدراسة، أوراق التوراة ممزقة تحت قدميه، وحوله صمت القنوط. ولكن في تلك الليلة بالذات، بينما كان البرد يعضُّ عظامه، شعر بشيء غريب. لم يكن صوتاً، بل كان كنبضة قلب كبير تختلج في صدر المدينة نفسها. رفع رأسه ببطء، وأذناه تصغيان إلى ما وراء الصمت.
ثم، كأنما من أعماق الزمن نفسه، بدأت الكلمات تتراءى له، كلمات قديمة عرفها منذ طفولته، لكنها الآن تأتي بحلة جديدة، وكأن النار التي التهمت الهيكل لم تكن قد مسَّتها: “استيقظي، استيقظي، يا أورشليم. البسي عزَّكِ.” همس بها، فتحول بخاره إلى سحابة صغيرة في الهواء البارد. لكن الكلمات استمرأت: “اهتزي من التراب، قومي، اجلسي يا أورشليم. تحللي من قيود عنقكِ، يا سبية ابنة صهيون.”
لم يكن وحده الذي سمعها. ففي بيت مجاور، كانت راحيل، وهي امرأة فقدت أولادها الثلاثة في السبي، تقوم بطحن ما تبقى من حنطة، وكانت دموعها تختلط بالطحين. فجأة، توقفت يداها. شعرت كأن يداً دافئة تلمس كتفيها المتعبين، وتلفتها برفق. لم ترَ أحداً، لكنها سمعت الهمس في روحها: “مجاناً بيعتم، وبغير فضة تُفتَدَون.” انزلقت على الجدار، وغرقت في بكاء صامت، ولكن لأول مرة منذ سنوات، لم يكن بكاء يأس، بل بكاء كمن يرى بريق فجر بعيد.
وفي أبراج الحراسة، حيث كان الحارس اليقظ إيلي، الذي شاخ وهو ينتظر بشارة لن تأتي، حدثت العجيب. رأى من بعيد، على طريق الجبال الوعر، شخصاً يعدو. قدماه تكادان لا تلمسان الأرض، وصوته يسبقه كالرعد الخافت: “ما أجمل على الجبال قدمي المبشر المُخبر بالسلام، المُبَشِّر بالخير، المُخبر بالخلاص!” لم يكن إيلي متأكداً هل هذا رؤيا أم حقيقة، لكنه لم يتمالك نفسه، فرفع صوته المبحوح، مخرقاً صمت القرون: “سمعنا! رأينا! إلهنا يملك!”
وانتقلت العدوى، من بيت إلى بيت، من قلب محطم إلى آخر. بدأ الناس يخرجون من حفرهم، يفركون عيونهم. لم يكن قد جاء فادي بعد، ولا الجيوش المحررة، ولكن شيئاً ما انكسر. انكسر حاجز اليأس. نفضوا التراب عن ثيابهم، ليس التراب العادي، بل تراب الذل والعبودية. بدأوا ينظرون إلى بعضهم البعض، وإلى أسوار مدينتهم المحطمة، لا كسجناء، بل كأبناء لملك عظيم كان غائباً، وهو الآن في طريقه.
وصعد أليافاز إلى مكان مرتفع، وجهه يشع بنور غريب. وكأن الكلمات التي سمعها تفيض من فمه، قال للناس الذين تجمعوا حوله، وكلامه يخرج متقطعاً بحسب شدو الروح فيه: “إن الرب يعود إلى صهيون… ارفعوا أصواتكم معاً، يا أنقاء المدينة. لأنه ليس كفكركم أفكاره… هو ذا عبدي سيفهم، ويتعالى، ويرتقي، ويتسامى جداً.” لم يفهموا كل شيء، لكنهم فهموا جوهره: أن العبودية ليست قدرهم الأبدي، وأن العار الذي لطخهم لم يكن ليدوم.
وبينما كانت الشمس الحقيقية تبدأ بشق طريقها عبر السحب، ملونة الحجارة الرمادية بلون ذهبي خافت، بدأت أورشليم تستيقظ حقاً. ليس استيقاظاً جسدياً فحسب، بل استيقاظ الروح. فالفداء، كما فهموا في تلك اللحظة الغريبة، لم يكن مجرد خلاص من عبودية بشر، بل كان خلاصاً من عبودية أكبر: عبودية القلب الذي ينسى أنه محبوب، ومخلوق لكي يكون حراً. وبدأت تتردد في الأزقة، أولاً كهمس، ثم كترنيمة، الكلمات القديمة الجديدة: “فكيف يبشرون إن لم يُرسلوا؟ كما كتب: ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام، المبشرين بالخيرات.” لقد أرسلوا. والكلمة نفسها كانت بداية الخلاص.




