الكتاب المقدس

صلاة دانيال في بابل

كان الجوّ بارداً في تلك الغرفة الضيقة التي أطلّت من نافذتها الصغيرة على سطوح بابل المتراصة تحت ضباب الشتاء. كان دانيال قد اعتزل فيها منذ الصباح، تاركاً شؤون القصر وراء ظهره. على المنضدة الخشبية البالية تراكم غبار الأيام، وبين طيات الدرج المصري القديم وُجدت لفافة إرميا النبي. كانت أصابعه ترتجف قليلاً وهو يفتحها، ليس من البرد وحسب، بل من خشوع القلب الذي أدرك وقتاً ما كان ينتظره.

قرأ، ثم أعاد القراءة: “لأجل خراب أورشليم تُكْمَلُ سبعون سنة”. حسبَ في ذهنه السنين منذ ذلك اليوم المشؤوم الذي سُبي فيه الشعب، منذ رأى بعينيه هيكل الربّ يحترق والنخبة من أبناء جلدته تُقاد مكبّلة إلى أرض غريبة. لقد قاربت السبعون أن تتم. لكن هل كان الزمن كافياً ليكفر الشعب عن خطاياه؟ هل كانت قلوبهم قد ارتضت أن ترجع؟

انزلقت جثته على الركبتين على الأرض الترابية. لم يضع وسادة، ولا بساطاً فاخراً. شعر بحبات التراب الخشنة تحت ركبتيه، وكان ذلك يؤلمه، لكنه أحبّ ذلك الألم. افتتح صلاته ليس بطلب، ولا بشكوى، بل باعتراف. “آه، يا رب. الإله العظيم المخوف، الحافظ العهد والرحمة لمحبّيه وحافظي وصاياه.” صوته كان همساً خفيّاً، يكاد يختلط مع صوت الريح التي تدخل من فتحة النافذة.

ثم انهمرت الدموع. لم تكن دموع عاطفة عابرة، بل كانت دموع رجل رأى مجد الله في الصبا، وشهد تدنيس ذلك المجد في شبابه، وعاش عقوداً يحمل جرحاً في أحشائه لا يندمل. “أخطأنا، أذنبنا، فعلنا الشرّ وتمرّدنا، وحِدنا عن وصاياك وعن أحكامك.” كان يذكر الخطيئة كأنه يعدّ حصى مرارة واحدة تلو الأخرى. لم يقل “أخطأوا”، بل قال “أخطأنا”. جعل نفسه واحداً من هذا الشعب العاصي، رغم أن سيرته كانت بلا عيب في عيني الله والناس. لكن قلبه المنكسر رأى أن الذنب ذنب جماعي، والتبعة تبعية مشتركة.

كانت الشمس تميل نحو الغرب، وظلّ الغبار يدور في شعاع الضوء الذي اخترق الغرفة. وهو ساجد، استحضر أمام عينيّ روحه كلّ المشاهد: صراخ الأطفال في أزقة أورشليم المحترقة، صليل سيوف الكلدانيين، وجه صدقيا الملك المُفزوع وهو يُفقأ عيناه، تابوت العهد الذي اختفى ولم يعرف أحدٌ إلى أين ذهب. “فلك يا رب البرّ، ونحن خزي الوجوه.” كرّر هذه الجملة وكأنه يجد فيها ملاذاً. نعم، الله بار، حتى في غضبه. هو البار، ونحن أصحاب الخزي. هذا الاعتراف وحده كان يفتح باب رجاء.

ثم توسّل. توسّل ليس لأن الشعب مستحق، بل لأن الله رحيم. “يا رب، بحسب كل بركاتك، لتحول غضبك وسخطك عن مدينتك أورشليم، جبل قدسك.” كان يتأوّه. كانت كلماته تتخللها فترات صمت طويلة، يسمع فيها فقط نبضات قلبه الثقيلة. كان يتضرع من أجل تلك الحجارة المحروقة، من أجل تلك الأرض المقفرة التي داستها أقدام الغزاة، من أجل الاسم العظيم الذي دُنس أمام الأمم.

تذكر وعود الله لإبراهيم، لموسى. تذكر أن الله، في غضبه العادل، لم ينسَ مراحمه. فصاح بصوت مبحوح: “يا رب اسمع، يا رب اغفر، يا رب أنصت واعمل. لا لأجلنا، بل لأجل اسمك. لمجد اسمك الذي دُعي على شعبك وعلى مدينة دعوتها لك.”

لم يكن يدري كم من الوقت مضى. ربما ساعات. عندما رفع وجهه من السجود، كانت عيناه محمرّتين، وظهره متعباً، لكن في قلبه سلامٌ غريب. سلام كمن أفرغ كل ما في جعبته أمام سيده، فلم يبق له إلا الانتظار. وكان ينتظر وهو واثق بأن الله سيسمع.

وفي تلك اللحظة بالذات، قبل أن ينهض من مكانه، وقبل أن يمسح غبار التراب عن ثوبه، شعر بحضور. لم يكن صوتاً في البداية، بل كان نوراً يملأ الغرفة تدريجياً، نوراً مختلفاً عن نور الشمس الغاربة. ثم رأى واقفاً مقابل النافذة كائناً بهي الطلعة، عيناه كلهبتين ناريتين. عرف في الحال: جبرائيل. الملاك الذي سبق أن رآه في الرؤى.

لم يُرعب، بل امتلأ قلبه شوقاً. وكان صوت جبرائيل كصوت جمهور كثير، لكنه واضح في أعماق الروح: “دانيال، إنني الآن خرجت لأعلمك الفهم. عند ابتداء تضرعاتك خرج الأمر، وأنا جئت لأخبرك لأنك أنت محبوب. فتأمل الكلام وافهم الرؤيا.”

وجعل الملاك يعلمه أموراً عظيمة عن سبعين أُسبوعاً قُضيت على شعبه ومدينته المقدسة، عن مسح قدوس القدوسين، عن قطع المسيا، عن عهد يُثبّت، عن ذبيحة وتقدمة تُبطل، عن خراب مخرب يأتي على جناح الأرجاس. وكان دانيال يصغي، وقلبه يخفق بين الرجاء والألم. كان النبأ بختام الغفران وختام الظلام معاً. كانت سبعون سنة الضيق تنتهي، لكن طريقاً أطول وأعظم، طريق خلاص الله النهائي، ما يزال يتلوّى كالنهر العظيم نحو نهايته المحتومة.

وعندما اختفى جبرائيل، بقي دانيال جالساً في مكانه، والظلام الداكن يلفّ الغرفة. أشعل فتيلة زيت صغيرة، والنور المتذبذب ألقى ظلالاً متحركة على الجدران. كان متعباً جداً، لكن في قلبه يقين جديد. لقد صلى فاستُجيب، ليس بالطريقة التي توقعها، بل بالطريقة التي اختارها الحكيم الذي يدبّر التاريخ من البدء إلى المنتهى. وفي صمته، في وحدة تلك الغرفة البابلية، تذوق دانيال، ولو للحظة، طعم السلام الذي يتخطى كل فهم، والرجاء الذي ينفذ من خلال ظلام الأزمنة، كشعاع الضوء الذي اخترق الغرفة ذات شتاء.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *