الكتاب المقدس

عطر الخيانة في ظل الفصح

كانت أورشليم تتنفس في تلك الأيام الأخيرة تنفساً ثقيلاً، كالمسافر المُتعَب الذي يرى وجهته وقد اقترب منها أكثر مما يحتمل. كان الجو حاراً رطباً، وحتى نسيم المساء الذي كان يأتي من جهة الجبال لم يكن كفيلاً بتبريد هياج النفوس وقلقها. وكان هو، يسوع، يعرف ذلك. كان يعرف أن الوقت قد حان، وكان حديثه إلى تلاميذه في تلك الأيام يحمل ثقلاً غريباً، كالرصاص في أعماق البحر.

قبيل الفصح بيومين، بينما كان هو جالساً في بيت عنيا في بيت سمعان الأبرص، جاءت امرأة ومعها قارورة طيب نفيس غالٍ الثمن. وبدون تردد، كسرتها وسكبت الطيب على رأسه. انتشر العطر في أرجاء البيت، عطر ناردين خالص ثقيل، يملأ الأنفاس ويلتصق بالثياب. تذمر بعض التلاميذ، بقيادة يهوذا الإسخريوطي، وقالوا: “لماذا هذا الإتلاف؟ كان يمكن أن يباع هذا الطيب بكثير ويعطى للفقراء”. لكن صوت يسوع قطع تذمرهم بهدوء حزين: “لماذا تزعجون المرأة؟ إنها قد عملت بي عملاً حسناً. لأن الفقراء معكم في كل حين، وأما أنا فلست معكم في كل حين. إنها إذ سكبت هذا الطيب على جسدي، فإنما فعلته لأجري تحنيطي. الحق أقول لكم: حيثما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم، يخبر أيضاً بما فعلته هذه تذكاراً لها”.

كانت كلماته كالحجارة تسقط في بركة ساكنة، تثير دوائر تتسع ثم تختفي في الظلام. ويهوذا، الذي كان يحمل الصرة، خرج بوجه متجهم. كان قد سمع كلاماً عن التحنيط، فاستبد به شيء في داخله، شيء مرٌّ كعصارة الإستسقاء. ذهب إلى رؤساء الكهنة، أولئك الرجال ذوي الوجوه المصقولة واللحى المصفحة بالرياء، وعرض عليهم أن يسلمه لهم. تفاوضوا على الثمن: ثلاثين من الفضة، ثمن عبدٍ في السوق. وأخذها يهوذا، وشعر ببرود الفضة في كفه، فظن أنها ستدفئ قلبه البارد، لكنها زادته قشعريرة.

في اليوم الأول من الفطير، جاء التلاميذ إلى يسوع يسألونه: “أين تريد أن نعد لك لتأكل الفصح؟”. فأرسل بطرس ويوحنا قائلاً: “اذهبا إلى المدينة، وسيَلقاكما رجل حامل جرة ماء. اتبعاه إلى البيت حيث يدخل، وقولا لرب البيت: المعلم يقول: أين المنزل حيث آكل الفصح مع تلاميذي؟ وهو سيريكما علية كبيرة مفروشة مهيأة، هناك أعدا لنا”. وحدث كما قال. كانت العلية في الطابق الأعلى، مفروشة بالسجاد البسيط، ومعدة بموائد منخفضة ووسائد للاتكاء. ورائحة خبز الفطير وخروف الفصح المشوي تفوح في أرجائها.

عند المساء، اتكأ هو مع الاثني عشر. وكانت السُّحب تتراكم خارج النوافذ، كأن السماء نفسها تحمل هماً. وأثناء الأكل، قال وهو ينظر إليهم واحداً واحداً: “الحق أقول لكم: إن واحداً منكم سيُسلِّمني”. فحزنوا جداً، وابتدأ كل واحد منهم يقول له: “هل أنا هو يا رب؟”. فأجاب: “الذي يغمس يده معي في الصحفة هو يُسلِّمني. إن ابن الإنسان ماضٍ كما هو مكتوب عنه، ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يُسلَّم ابن الإنسان. كان خيراً لذلك الرجل لو لم يولد”. وكان يهوذا، مسلِّمه، قد قال: “هل أنا هو يا سيدي؟” فأجابه: “أنت قلت”. وغمس لقمة وأعطاها ليهوذا. فأخذها وخرج للحال. وكان ليلاً.

بعد خروجه، أخذ يسوع خبزاً، وبارك وكسر، وأعطى التلاميذ وقال: “خذوا كلوا، هذا هو جسدي”. ثم أخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً: “اشربوا منها كلكم، لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد، الذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا. وأقول لكم: إني لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديداً في ملكوت أبي”. ثم رتلوا المزمور وخرجوا إلى جبل الزيتون.

كانت الليلة حالكة، والسكون مخيفاً. وقال لهم: “كلكم ستشكّون في هذه الليلة، لأنه مكتوب: إني أضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية. ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل”. فصرخ بطرس بكل ما فيه من حرارة: “وإن شكّ فيك الجميع، فأنا لا أشك”. فقال له يسوع، وصوته يحمل رنة حزن لا تُحتمل: “الحق أقول لك: إنك في هذه الليلة، قبل أن يصيح الديك، تُنكرني ثلاث مرات”. فأكد بطرس بأغلظ الأيمان: “لو اضطررت أن أموت معك لا أنكرك”. وهكذا قال جميع التلاميذ.

ثم جاءوا إلى ضيعة تسمى جثسيماني. فقال للتلاميذ: “اجلسوا ههنا حتى أمضي وأصلّي هناك”. وأخذ معه بطرس وابني زبدي، وابتدأ يحزن ويكتئب. فقال لهم: “نفسي حزينة جداً حتى الموت. امكثوا هنا واسهروا معي”. وتقدم قليلاً وخرّ على وجهه وكان يصلّي قائلاً: “يا أبتاه، إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس. ولكن ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت”. وعاد إلى التلاميذ فوجدهم نياماً، فقال لبطرس: “أما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة؟ اسهروا وصلّوا لئلا تدخلوا في تجربة. أما الروح فنشيط، وأما الجسد فضعيف”.

ومضى أيضاً وصلّى ثانية: “يا أبتاه، إن لم يمكن أن تعبر عني هذه الكأس إلا أن أشربها، فلتكن مشيئتك”. وعاد فوجدهم نياماً أيضاً، إذ كانت أعينهم ثقيلة. فتركهم ومضى أيضاً وصلّى ثالثة قائلاً ذلك الكلام بعينه. ثم جاء إلى تلاميذه فقال لهم: “قوموا الآن، قد اقترب الذي يسلمني”.

وبينما هو يتكلم، إذا يهوذا واحد من الاثني عشر قد أقبل، ومعه جمع كثير بسيوف وعصي من عند رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب. وكان قد أعطاهم علامة: “الذي أقبّله هو هو، فأمسكوه”. فجاء للوقت إلى يسوع وقال: “السلام يا سيدي”، وقبّله. فقال له يسوع: “يا صاحب، لماذا جئت؟”. حينئذ تقدم الجمع وألقوا أيديهم على يسوع وأمسكوه.

وهنا اندفع بطرس، فاستل سيفاً وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه. لكن يسوع قال له: “رد سيفك إلى مكانه، لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون. أتظن أني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيقدم لي أكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة؟ فكيف تتم الكتب؟”. ولمس أذن العبد فشفاه. ثم التفت إلى الجموع قائلاً: “كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصي لتأخذوني! كل يوم كنت أجلس بينكم في الهيكل أعلّم ولم تمسكوني. ولكن هذا كله كان لكي تتم كتب الأنبياء”. حينئذ تركه التلاميذ كلهم وهربوا.

وأمسكوه وساقوه إلى قيافا رئيس الكهنة، حيث كان الكتبة والشيوخ قد اجتمعوا. وكان بطرس قد تبعه من بعيد إلى دار رئيس الكهنة، فدخل وجلس بين الخدام ليرى النهاية. وأما رؤساء الكهنة والمجمع كله فكانوا يطلبون شهادة زور على يسوع لكي يقتلوه، فلم يجدوا. مع أن شاهدين زور كثيرين قد جاءوا، إلا أن شهادتهم لم تتفق. أخيراً تقدم شاهدان وقالا: “هذا قال: إني أقدر أن أنقض هيكل الله وأبنيه في ثلاثة أيام”. فنهض رئيس الكهنة وقال له: “أما تجيب بشيء؟ ماذا يشهدان عليك؟”. فسكت يسوع. فقال له رئيس الكهنان: “أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا: هل أنت المسيح ابن الله؟”. فأجاب يسوع: “أنت قلت! وأيضاً أقول لكم: من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة، وآتياً على سحاب السماء”. فمزق رئيس الكهنة ثيابه قائلاً: “قد جدف! ما حاجتنا بعد إلى شهود؟ ها قد سمعتم تجديفه! ماذا ترون؟”. فأجابوا: “مستوجب الموت”.

وفي تلك اللحظة، في الدار الخارجية، كانت خادمة قد جاءت إلى بطرس قائلة: “وأنت كنت مع يسوع الجليلي”. فأنكر أمام الجميع: “لست أدري ما تقولين”. ثم إذ خرج إلى الدهليز رأته أخرى وقالت للجالسين: “وهذا كان مع يسوع الناصري”. فأنكر أيضاً بقسم: “إني لست أعرف الإنسان”. وبعد قليل تقدم القيام وقالوا لبطرس: “حقاً أنت أيضاً منهم، فإن لغتك تظهرك”. فابتدأ يلعن ويحلف: “إني لا أعرف هذا الإنسان”. وفي الحال صاح الديك.

فتذكر بطرس كلام يسوع: “قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات”. فخرج إلى خارج وبكى بكاءً مراً.

وأما هم، فأوثقوا يسوع كاللص، وساقوه في ظلام الليل البارد، إلى حيث ينتظر بيلاطس. وكان الفجر يقترب، فجر اليوم الذي لا يشبه أي فجر.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *