كان الظل يطول على أودية الجليل، وريح مسائية باردة تهبّ من جهة البحر، تحمل معها عبق تراب ممزوج برائحة إكليل الجبل البري. كان عامر جالسًا على حجر أملس عند حافة كرمه، تنهده بين حين وآخر، ولكن قلبه كان أثقل من صخرة الطاحونة. نظر إلى يديه المتشققتين، وقد علقت فيهما أتربة سنين من الكدّ، وكأنما الخطايا نفسها قد تشبّثت به كما يتشبث الوحل بالأحذية في أيام المطر.
كان يذكر جاره، سليم، وكيف شجر بينهما منذ خمسة أعوام على قطعة أرض صغيرة. كلمات قاسية تبادلاها، ثم صمت طويل، ثم نظرات حادة كلما تقابلا في الطريق. أصبح سليم كالظل الثقيل في حياة عامر، لا يذكره إلا ويشعر بمرارة تملأ فمه. لم يكن الأمر مجرد خلاف على حجارة وتراب؛ بل كان جرحًا في كرامته، شعورًا بالظلم يكبر في صدره كالورم الخبيث. وفي الليالي الطويلة، كان صوت الضمير يهمس له: أنت رجل عاقّ، أنت مقطوع من رحمة السماء.
وفي تلك الأمسية، بينما كانت الشمس تغيب خلف التلال مطلية السماء بلون الدم، سمع عامر صوت خطوات. التفت فإذا بسليم يقف على مبعدة ذراعين، وجهه يشي بتعب أعمق من تعب الأرض. لم يقل سليم شيئًا في البداية، بل نظر إلى الأرض كما لو كان يبحث عن كلمات ضائعة بين الحصى. ثم رفع رأسه، وقال بصوت أجشّ كحفيف أوراق الزيتون اليابسة: “كفى، عامر. كفانا هذا العذاب”.
لم تكن تلك الكلمات سحرًا يزيل السنوات الماضية، ولكنها كانت مثل أول قطرة ماء على أرض متصدعة. جلس الرجلان معًا، وأخذا يتحدثان. وكان الحديث في البداية متقطعًا، مليئًا بالصمت الثقيل، ثم انفتح تدريجيًا كما تنفتح زهرة اللوز عند أول دفء في الربيع. اعترف كل منهما بخطئه، ليس بكبرياء المنهزم، بل بتواضع الجريح الذي يبحث عن الشفاء. وبينما كان الظلام يكتنف الأودية، حدث شيء غريب. شعر عامر بثقل يزول عن صدره، ثقل لم يكن يدرك كم كان راسخًا فيه إلا عندما رُفع. لم تكن المصالحة مع سليم فقط، بل كان إحساسًا غامرًا بأن حاجزًا آخر، أكبر وأعلى، قد اهتزّ هو أيضًا.
عاد عامر إلى كوخه المتواضع، وأشعل قنديلًا صغيرًا. الضوء الخافت رقص على جدران الطين، وألقى بظله الكبير على السقف. جلس يفكر. تذكرت كلمات الحكيم شاول، الذي كتب مرة لأهل رومية، والتي كان قد سمعها من تاجر يمرّ بقرية مجاورة. كلام عن سلام مع الله، لا عن طريق أعمالنا، بل بواسطة إيمان كالإيمان الذي وضعه إبراهيم عندما نظر إلى النجوم. كلام عن محبة تثبت نفسها، لا ونحن أبرار، بل ونحن بعد خطاة. كيف يمكن ذلك؟ كيف يمكن للمحبة أن تنحني إلى هذا العمق؟
نظر عامر خارج النافذة الصغيرة، حيث كانت النجوم تزداد وضوحًا في سماء صافية. وفجأة، أدرك شيئًا. المصالحة مع سليم لم تكن لأن سليم كان مستحقًا، ولا لأنه هو نفسه كان مستحقًا. بل جاءت من مكان أبعد، من نبع أعمق. لقد كان غضبهما قد صنع عداوة، والعداوة ولدت مزيدًا من الظلم. ولكن تلك اليد الممتدة في الظلام، تلك الكلمة الأولى التي نطق بها سليم، كان لها نكهة شيء مقدس. كأنها صدى لشيء أكبر. كأن العداوة بينهما كانت صورة صغيرة عن عداوة أقدم، عداوة الإنسان مع خالقه. والمصالحة بينهما كانت بريقًا خافتًا يعكس مصالحة عظيمة قد تمت على تلّ خارج المدينة، حيث حمل إنسان بارّ كل ثقل تلك العداوة ودفع الثمن.
لم يقل عامر: “الآن فهمت كل شيء”. بل أحسّ بسلام غريب، سلام كالنهر، لا يتوقف عن الجريان حتى في أوقات الجفاف. لقد تغير عالمه. لم تعد الخطيئة مجرد قائمة أخطاء يحاول جاهدًا أن يعوّض عنها، بل أصبحت قوة مكسورة، عدوة منهزمة. والنعمة لم تكن مجرد صفح عابر، بل هي قوة حياة جديدة، كالشجرة المطعّمة على أصل برّي، تبدأ تعطي ثمرًا حلوًا لم يكن ممكناً من قبل.
منذ تلك الليلة، بدأ عامر يرى كل شيء بنور مختلف. حتى الشقوق في يديّه، حتى تجاعيد وجهه، حتى ذكريات الفشل المؤلمة، كلها بدت وكأنها تدخل في قصة أكبر. قصة فيها ألم، لكن الألم لم يكن النهاية. بل كان هناك رجاء، رجاء لا يخزي، لأنه مبني على محبة سُكبت في القلب، محبة أقوى من الموت، وأعمق من أي حُفرة يمكن أن يحفرها الإنسان لنفسه.
وفي صباح اليوم التالي، عندما التقى بسليم عند بئر القرية، تبادلا نظرة صامتة. لم تكن النظرة تقول: “كل شيء انتهى”، بل كانت تقول: “كل شيء قد ابتدأ”. وكان في عيني كل منهما شيء من ذلك النور الهادئ، نور مصالحة عرفا أنهما لم يخترعاها، بل تلقياها هبة، من يدّ حنونة امتدت إليهما من عبر الدهور، من ذلك القلب الكبير الذي يبرر الخطاة.




