الكتاب المقدس

رجاء في برد تسالونيكي

في تلك الأيام، حين كان برد الشتاء الأول يهم بالنزول على مدينة تسالونيكي، كانت أنفاس المؤمنين تتكاثف في الهواء البارد كصلوات صامتة. كان أندراوس يجلس قرب الموقد الخافت في بيت مرقس، يفرك كفيه المتقرحتين من عمل النهار في دباغة الجلود. لم تكن الحرارة تصل إلى أعماقه. كان هناك برود آخر، برود قلبٍ حزين على أخيه فيليبس، الذي رقد في الرب قبل شهرين. تساءل، كما تساءل كثيرون: “أين هو الآن؟ وهل سنراه حقاً عندما يأتي الرب؟”

في الزاوية الأخرى، جلست مارثا، أرملة شابة، تصلّي بصمت. عيناها كانتا على جمرات النار المتوهجة، لكن قلبها كان عند الرجاء الذي سمعه من بولس وسيلا. كانت كلمات الرسالة الأولى تتردد في أذنيها كما لو كانت تسمعها للمرة الأولى: “لاَ تَحْزَنُوا كَالْآخَرِينَ الَّذِينَ لَا رَجَاءَ لَهُمْ.” ولكن كيف لا تحزن وقد فارقت زوجها الحبيب؟ كان الشك كدودة تدب في يقينها.

دخل سمعان، شيخ الجماعة، خطواته ثقيلة لكن ثابتة. رأى السحابة التي تخيم على الوجوه قبل أن يرى الوجوه نفسها. ابتسم ابتسامة رقيقة تحمل تعب السنين ودفء الإيمان.

“تتذكرون ما علَّمنا إيَّاه الرسول بولس، يا أحبَّتي؟” صوته كان خشناً كالجلد الذي يعمل عليه أندراوس، لكنه ناعم بالرحمة. “كان يقول لنا، بينما كان هنا بيننا، بين هذه الجدران نفسها: إنَّ إرادة الله قداستنا. لا شكوى من غياب الأحبة فقط. بل دعوة للطهارة، لكرامة الجسد، للانفصال عن الشهوات التي تجهل الله.”

رفع أندراوس رأسه. “نعرف هذا، يا سمعان. ولكن القلب ضعيف. والمدينة مليئة بالإغراء، كأنها إلهة وثنية تضع أكاليل الفساد على أبوابها كل صباح.”

“لذلك،” ردَّ سمعان وهو يجلس ببطء على مقعد من خشب، “تذكروا أنكم تعلَّمتم من الله. ليس من بولس وحده، بل من الله الذي يرسل روحه القدوس إليكم. الروح الذي يعلِّمكم كيف تحبون بعضكم بعضاً أكثر فأكثر، كيف تعملون بأيديكم كما أوصيناكم، كيف تسلكون بلياقة نحو الخارجين.”

سكت قليلاً، ثم أضاف، ونظراته تتجه إلى مارثا التي كانت قد أدارت وجهها نحوه: “ولكنكم تتساءلون عن الراقدين. أليس كذلك؟”

انهمرت دموع مارثا بصمت. أومأت برأسها، غير قادرة على النطق.

“اسمعوا كلمات الرجاء، يا أحبَّتي. الرب نفسه، عند صيحة رئيس الملائكة، عند بوق الله، سوف ينزل من السماء. حينها، سيُقام الراقدون في المسيح أولاً. أولاً. انظروا إلى هذه الكلمة. لن يتأخروا. لن يُنسوا. سيُقامون بأجساد مجيدة، غير قابلة للفساد. ثم نحن الأحياء الباقين، سنُخطف جميعاً معهم في السحاب لملاقاة الرب في الهواء. وهكذا سنكون كل حين مع الرب.”

كانت كلماته لا تشرح عقيدة مجردة، بل كانت تنسج صورة حية في أذهانهم. تخيل أندراوس السماء تنشق. لم يكن يرى مجرد نوراً عمياء، بل سمع صوتاً، بوقاً يهز أساسات الجبال. ورأى أخاه فيليبس، ليس كشبح، بل كإنسان مكتمل، قوي، مبتسم، ينهض من رقاده. ورأى نفسه يُرفع، يشعر بأن الأرض تترك قدميه، ليس بخوف، بل بشوق يملأ كل خلية في جسده.

قال سمعان، وصوته يهتز بشيء من الوجْد: “فتعزُّوا بهذه الكلمات. ليس كلام بشري، بل وعد إلهي. الوعد الذي يجعل من فراقنا المؤقت لقاء أبدياً. لذلك، انظروا إلى بعضكم بعضاً. انظروا إلى مارثا وأندراوس. أنتم ليسوا وحدكم. نحن جماعة رجاء. سهرنا ونصحنا بعضنا لبعض، لأننا نعرف اليوم الذي يأتي فيه الرب كلص في الليل.”

بدأت نار الموقد تشتعل من جديد، كما لو أن الخشب الجاف التهم برودة اليأس. لم تكن التعزية مجرد نسيان للألم، بل كانت تحويلاً له إلى انتظار مقدس. انتظار لا يجعلك خاملاً، بل يدفعك لأن تسلك بقداسة، لأن تحب بوفاء، لأن تعمل بضمير، لأن تسهر بصلاح.

قام أندراوس ووضع يده على كتف مارثا. “سيأتي. سيأتي هو، وسيأتي فيليبس وليعازر معه. وسنكون جميعاً معاً، إلى الأبد.”

خرجوا من بيت مرقس مع آخر أضواء النهار. كانت نسمات المساء لا تزال باردة، لكنها لم تعد تثقب العظام. كان هناك دفء غريب، كأنه بذار القيامة، قد نما في صدورهم. لم تكن قداستهم هروباً من العالم، بل كانت وقوفاً فيه بشجاعة، وأعينهم مثبتة على الأفق الذي سيشرق فيه مجيء الرب. وعندما أضاءت المصابيح الأولى في شوارع تسالونيكي، كان نورها يذكرهم بنور آخر، لا يعرف أفولاً.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *