الكتاب المقدس

خيمة أندراوس الأبدية

كان الظهيرة يحمل ذلك الثقل المألوف في شارعِ السوق الرئيسي في تسالونيكي، حيث يخيّم الغبار الذهبيّ المتطاير من عربات القمح فوق أصوات الباعة وصرير عجلات العربات. أمام دكّان صغير مظلل جزئياً بقطعة قماش مُتهالكة، وقف أندراوس، الرجل الذي ورث حرفة صناعة الخيام عن أبيه، يمسك بمخيطة ثقيلة بين أصابعه المتصلبة. كانت رائحة الجلد المدبوغ وصوف الماعز تُشكّل هواءً سميكاً حوله. غرز الإبرة في قطعة الجلد السميك، وسحب الخيط بقوة، وفجأة، بينما كانت أصابعه تعمل بلا وعي من سنوات الممارسة، انفتح ذكرى في داخله.

تذكر كلمات الرجل الذي سمعَه منذ سنوات في أثينا، ذلك اليهودي المثقف من طرسوس، بولس، الذي كان يتحدث بلهجةٍ غريبة أحياناً ولكنه كان يتحدث وكأن النار تشتعل في صدره. كان يتحدث عن خيمة أيضاً. لكنه لم يكن يتحدث عن خيام جلد أو صوف. كان يقول شيئاً غريباً: “لأننا نعلم أنه إن نُقض بيت خيمتنا الأرضي، فلنا في السماوات بناء من الله، بيت غير مصنوع بيد، أبدي.” أندراوس توقف عن الخياطة، ونظر إلى يديه المتجعدتين المرتعشتين قليلاً. هذه الخيمة، جسده، كانت تظهر عليها علامات النقض بالفعل. ألم في الظهر يستيقظ معه كل صباح، نظره الذي بدأ يخونه عند الغسق. هذا البناء الأرضي كان يتهالك.

صاح به زبون، فعاد إلى عمله، ولكن الكلمات استمرت في الدوران في رأسه كحجر في ناعورة. بيت غير مصنوع بيد. بيت أبدي. كيف يكون البيت؟ تخيّل أندراوس، وهو الرجل العملي الذي لا يعرف سوى المواد التي تلمسها يداه، بناءً لا من حجر ولا من خشب، بل من نورٍ صافٍ، ليس له ثقل، ولا يحتاج إلى عمود أو حبل. ضحك في سره. كانت الفكرة مجنونة. لكنها، بطريقة ما، لم تكن مخيفة.

في تلك الليلة، بينما كان يجلس أمام بيت بسيط مع مجموعة صغيرة من المؤمنين، قرأ أحد الشبان جزءاً من رسالة وصلت حديثاً. كانت من بولس نفسه. وعادت الكلمات لتظهر، ولكن هذه المرة كانت أكثر وضوحاً: “فإننا في هذه الخيمة نئن مُتثقّلين، إذ لسنا نريد أن نخلعها، بل أن نلبس فوقها، ليُبتلع المائت من الحياة.” نَهِم أندراوس. نعم، هذا كان الشعور بالتحديد! ذلك الأنين الداخلي، ثقل الانتظار، الرغبة ليس في الفناء، بل في التحول. كأن ترتدي ثوباً رثاً فوق ثوب فاخر جديد، وتنتظر اللحظة لتخلع القديم وتظهر في الجديد كله. لم يكن هرباً من الجسد، بل كان شوقاً لشيءٍ أصدق، أكثر دواماً.

ثم جاءت الكلمات التي هزّت الجو الهادئ: “إذن نحن واثقون كل حين، عالمين أننا ما دُمنا مستوطنين في الجسد، فإننا متغربون عن الرب.” شعر أندراوس بغربة مفاجئة وهو جالس بين جدران بيته الطينية. كانت هذه الغربة هي اليقين. لقد فهمها خطأ طوال الوقت. لم يكن الشوق لأن يكون في السماء فقط، بل الشوق لأن يكون *كامل* في حضرة الرب. هذه الخيمة الأرضية، بكل ألمها وجمالها العابر، كانت مخيماً في بريّة، وليست المدينة.

لكن الرسالة لم تنتهِ عند الغربة. بل تحولت إلى صرخة: “لأن محبة المسيح تحصرنا.” شرح القارئ الشاب، وهو يحاول فهم الكلمات بنفسه، أن بولس يتحدث عن حقيقة واحدة عظيمة: أن واحداً مات عن الجميع، حتى لا يعيش الأحياء بعد لأنفسهم، بل للذي مات وقام من أجلهم. نظر أندراوس حول الغرفة، إلى الوجوه البسيطة المتعبة في ضوء المصباح الزيتي الخافت. الخبّاز الذي كافح طوال اليوم، والأرملة الفقيرة، والعبد الهارب الذي كان يخفي وجهه. الجميع هنا كانوا يحملون ثقل خيامهم المهترئة. ولكن في عيونهم، عندما سمعوا هذه الكلمات، كان وميضٌ آخر. لم يكن وميض الهروب، بل وميض الغاية.

تحدث رجل عجوز جلس في الزاوية بصوت خشن: “وهذا يعني أننا سفراء.” استخدم الكلمة اليونانية *presbeuomen*. سفراء. وكأن بولس يقول: أنت، أيها الخيّام المتعب، أنت، أيها العبد الخائف، أنتم هنا في هذا المخيم المؤقت، ولكنكم تحملون أوراق اعتماد من ملكوت آخر. مهمتكم ليست تحمل الحياة فقط، بل دعوة الآخرين إلى المصالحة.

خرج أندراوس في اليوم التالي إلى السوق، والنور الصباحي يغسل الحجارة. نظر إلى يديه المرتعشتين، ثم نظر إلى الناس من حوله: التاجر القاسي الذي يصرخ على عبده، المرأة الشابة التي تحمل جرّة ماء بظهر منحني، الجندي الروماني الذي يبدو وجهه فارغاً من كل شيء. ورأى شيئاً جديداً. لم يعد يراهم كمجرد شخصيات في سوق، أو كأصحاب خيام أكثر أو أقل متانة. رأى أشخاصاً يمكن أن يُصالحوا. رأى وجوه خيامٍ تئن، وتنتظر – ربما بدون أن تعرف – أن تُلبس فوقها الحياة.

عاد إلى دكانه، وأمسك بالمخيطة والجلد. ولكن اليوم، كانت كل غرزة تحمل صلاة صامتة. لم تكن صلاة للخلاص من الخيمة، بل صلاة لاستخدامها، ما دامت قائمة، كمسكن مؤقت للسفير. كان الثقل لا يزال موجوداً، والظهر يؤلمه. لكن الأنين تحول من صوت شكوى إلى تنهيدة صلاة، وتذكير بأن هذه الخيمة، بكل هشاشتها، كانت المكان الذي يسمع فيه صوت الملك، ويحمل رسالته، حتى يأتي اليوم الذي يُبتلع فيه المائت، أخيراً و إلى الأبد، بالحياة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *