الكتاب المقدس

بلدد يتحدى أيوب

انتهى الكلام، وصمت الصوت المُتعب الذي خرج من بين شقوق شفتَي أيوب الجافتين. ساد السكون ثقيلاً فوق ركام الرماد، ولم يبقَ سوى حفيف ريح خفيفة تلتقط ذرات التراب فتذروها على الأجساد المنهكة. نظر بلدد الشوحي إلى رفيقيه، ثم أدار وجهه الذي تشققت جلده الشمس نحو أيوب. رأى في عينيه بحراً من الألم، لكنه رأى أيضاً تحدياً، كأنما يقول إن الله ظلمه. استقر ذلك التحدي في نفس بلدد كشوكة، فاشتعَلَتْ داخله غيرةٌ على عدل السماء، وصار لابد من كلام.

أخذ نفساً عميقاً، وكان صوته حين بدأ خشنًا كحجر يُجر على أرض قاسية: “إلى متى تضع الكلام في ريح؟ إلى متى تقول إن الظلام قد غطى خطواتك، وإن مصباح الله قد انطفأ فوق خيمتك؟ اسمع يا أيوب، ولتتوقف لحظة عن الحفر في جراحك. اسمع الحكمة التي عرفها آباؤنا، وانظر إلى المصير المحتوم الذي يرسمه العدل الإلهي لكل من يحيد عن الطريق.”

توقفت الريح لحظة، كأنما تستمع. وكان كلام بلدد لا يندفع بعنف، بل كان يتدفق كسيل من الحكمة المرة، بطيئاً وثقيلاً.

“هلَّا ننظر إلى مصير الشرير، يا صاحبنا؟ ليس مصيره سراً مُعَماً. هو كشجرةٍ تبدو ضخمةً، جذورها تشق الأرض، ولكنها مغروسة في تربة ملح. يأتي عليها القطع، فتبقى جذعها ميتاً في التراب. ويبقى اسمُها في المدينة كذكرى لعابر، اسماً يُذكر على ألسنة المارة في رثاء، ثم يُنسى كما يُنسى ظل سحابة مرت.”

رفع بلدد يده المليئة بعروق بارزة، وأشار إلى الصحراء القاحلة حولهم. “انظر. نور الشرير يخبو، يا أيوب. لا يموت بسرعة، بل يذبل. مصباحه الذي كان يوقد بيته يصير دخاناً يلسع العيون، ثم ينطفئ. وتلك القوة التي تباهى بها في ساقيه، تصير كالعيدان اليابسة، تتحطم تحت أول خطوة ثقيلة للبلاء. خطواته الواثقة، تلك التي كان يمشي بها في طريقه المُعَدِّ، تصير متعثرة. تصير أفكاره هي التي تقوده إلى الهلاك، وتلقيه في الشبكة التي نصبها بنفسه بكبريائه.”

كان صوت بلدد يرتفع وينخفض، أحياناً كهمسة وأحياناً كدويٍّ بعيد. عيناه لم تفارقا وجه أيوب المتجهم.

“لأن الشر لا يبقى في مكانه. إنه ينمو ويتشعب. يصبح كالمرض الخبيث الذي يأكل الجسد من الداخل. لأجله تُفترش الشراك حول مسكنه، ويُلقى الحبل في طريقه. يخاف من ظلِّه، فكل ظل في الغداة قد يخفي فخاً. قوّته، تلك التي ظنها راسخة، تتحول إلى ذعر. يصبح الجوع رفيقه الدائم، حتى وهو بين أمواله. والكارثة تقف جاهزة على عتبة داره، تنتظر إشارة من السماء.”

حلَّ سكون مُرعب بعد هذه الكلمات. حتى الحشرات توقفت عن زنّها. ثم استأنف بلدد، وكلماته الآن كقطرات رصاص حار:

“يُقتلع من خيمته، خيمته التي ملأها غروراً. ويسير به الموت إلى ملك الرعب. يُزرع في خيمته ما ليس له: كبريت تُنثر على مسكنه. من تحته تيبس أصوله، ومن فوقه يُقطع فرعه. ذكره يبيد من الأرض، ولا يكون له اسم على وجه البسيطة. يُطرد من النور إلى ظلمة دامسة، ويُزدرى في العالم كغريب. ليس له باقٍ ولا نسل. يتحير من ورائه كل من يعرفه، ويرتعد من مصيره كل من يراه.”

توقف، ونفَسُه متقطع. ثم ختم بصوت أجش، كأنه حصى في قاع جرة: “هذه، يا أيوب، هي مساكن كل من يجهل الله. هذا هو مصير من يرفع عقيره ضد السماء. ليس ظلماً، بل هو عدلٌ محض، رسمه من يدير الكون منذ البدء.”

سقط الصمت مرة أخرى، ولكنه كان صمتاً مختلفاً، مشبعاً بتلك الصورة القاسية التي رسمها بلدد. لم ينطق أيوب بكلمة. كان جالساً في رماده، عيناه شاخصتان إلى الأفق البعيد حيث يلتقي التراب بالسماء. كان وجهه لا يظهر غضباً، ولا حتى رفضاً. بل ظهر عليه شيء أشبه بدهشة مريرة، كمن يستمع إلى وصف دقيق لمرض عضال ألمَّ به، ولكن قلبه يصرُّ على أنه تشخيص خاطئ. وكان في عينيه ذلك العمق نفسه، عمق محيط من الأسئلة التي لم تنجح قسوة الصور ولا منطق الحكمة التقليدية في ردمها.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *