الكتاب المقدس

نشيد الحب الإلهي

كان الملك يسير في جناته مع رفاقه، حين التفت إليهم وقال كلماته التي حفظها لنا الدهر. لم تكن مجرد كلمات غزل، بل كانت قصيدة ترسم بلكنة الحب الإلهي نفساً أحبها الرب. قال:

“ما أجملك، وما أحلىك، أيَّتها الحبيبة، في لذَّاتك! قامتُك هذه تشبه النخلة، وثدياك عناقيد. قلتُ في نفسي: أصرَّ إلى النخلة وأتمسَّك بعذوقها. ولتكن نهداك كعناقيد الكرم، ورائحة أنفك كالتفَّاح، وحنكك كأطيب الخمر.”

توقَّف برهة، وكأنه يرى ما وراء الحروف. كانت شولميث واقفة تحت شجرة تين قديمة، ثيابها البيضاء تلمع تحت شمس الظهيرة الخفيفة. كانت كالنخلة حقاً، لا في الطول فحسب، بل في ذلك الاستقامة الهادئة، تلك القوة الهادية التي ترفع القلب نحو السماء. والنخلة لا تعطي ظلاً واسعاً، لكنها تعطي ثمراً حلواً في وقته، وتظل صامدة في العواصف.

واصل الملك كلماته، وصوته يخفت أحياناً ويرتفع أحياناً، كأنه يروي حكاية قديمة وعتيقة: “لحبيبتي التي تقول: ليذهب خمرنا إلى حبيبي مُمتدّاً، ولا يهمنا إن نام أو استيقظ.”

هنا ابتسمت شولميث، وعيناها اللوزيتان تضيئان بضوء خفي. كانت تذكر تلك الليالي في الحقل، حين كانت تنتظره، والخمر الحقيقي ليس ما في الكأس، بل هو ذلك الحب الذي يفيض من القلب، فيسري كالنهر الهادئ، لا يبالي بالزمن، نهاراً كان أم ليلاً.

“أنا لحبيبي، وإليَّ اشتياقه” همست وهي تنظر إلى الأرض، ثم ترفع رأسها بشجاعة. كان الملك قد اقترب منها الآن، وقد بدت تفاصيل جمالها واضحة كالنقش على حجر كريم. واصل قائلاً:

“تعالي، يا حبيبتي، فلنخرج إلى الحقل، ولنبت في القرى. فلنبكر إلى الكروم، وننظر إن أينعت الكرمة، هل تفتَّح القعْر، هل أزهر الرُّمَّان. هناك أعطيك حبي.”

كانت الدعوة إلى الحقل، إلى البساطة والأصالة، بعيداً عن أبهة القصور. في الكرم، حيث العمل والعرق، حيث تتفتح الزهور في صمت، هناك يُعطى الحب الحقيقي. ليست حدائق القصور بزهورها المصطفة وأشجارها المغروسة بدقة، بل الحقل البري، حيث تنمو النبتة كما يشاء الخالق.

“المندوَّرة رائحتك كرائحة التفَّاح، وفمك كأطيب الخمر.”

قالت شولميث بصوت خافت، لكنه واضح كندى الصباح: “لحبيبي، ينساب عليَّ مستقيماً، بين شفاه النائمين.”

كانت كلماتها إقراراً بأن هذا الحب ليس من صنعها، بل هو عطية تنزل من علُ، تروي القلب العطشان. وهو كالخمر الجيد، لا يُشرب بشراهة، بل يُتذوق ببطء، فيسري في الأعماق، فيدفئ الروح في ليالي البرد.

ثم التفتت إليه وقالت، وكأنها تختتم سفراً طويلاً: “أنا لحبيبي، واشتياقه عليَّ. تعالَ، يا حبيبي، فلنخرج إلى الحقل، ولنبت في القرى. فلنبكر إلى الكروم. هناك أعطيك حبي.”

فكانت النهاية بداية، والدعوة إلى الحقل دعوة إلى البقاء معاً، في بساطة العمل والانتظار. والكروم ترمز إلى شعب الرب، الذي يحتاج إلى من يرعاه وينظر إليه، هل أينع، هل تفتح، هل أزهر. وفي وسط هذا الجهد المشترك، يُعطى الحب، لا كعاطفة عابرة، بل كعهد ثابت، كخمرة معتَّقة تزداد جودة مع السنين.

وسارا معاً على درب ترابي يؤدي إلى الكروم، وشمس العصر تميل نحو الغروب، وتلقي بظلال طويلة. وصارت كلماتهما الأخيرة تتردد في أذني الرفاق، الذين رأوا في هذا الحب سراً من أسرار المحبة الأزلية، التي لا تفنى، ولا تمل، ولا تسقط أبداً.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *