كان الفجر ينسلُّ بلطف فوق التلال، وصمتُ الليل يتراجع أمام دبيب النور الأول. جلستُ على حجر أملس بجانب الجدول، أسمع همسَ الماء وهو يمرُّ فوق الحصى، متعرجًا كذكرى قديمة. في يديَّ مخطوطة بالية، تفتح على مزمورٍ اعتدتُ قراءته كلما اشتدَّت عليَّ الأسئلة، كلما ضاقت بي الدروب. “احمدوا الرب لأنه صالح”، هذه الكلمات الأولى كأنها لا تفتتح نشيدًا فقط، بل تفتح بابًا في القلب.
لأن رحمته إلى الأبد.
نظرتُ حولي. الأشجار الباسقة تتنفس مع النسيم، وأوراق الزيتون تتلألأ بقطرات الندى، كأن كلَّ ورقةٍ ترتل بصمت. تذكرتُ سفر التكوين، كيف بدأ كل شيء. ليس كأسطورة عن صراع آلهة، بل ككلمة أُلقيت في الظلمة. “الذي صنع السموات بفهم”. تصورتُ تلك اللحظة: الفراغ الذي لا شكل له، ثم صوتٌ لا يمكن وصفه، ينطلق من عمق المحبة، فيخلق النورَ ليس كنقيض للظلمة، بل كتجلٍّ للحقيقة الأولى. لم يكن عملاً منعزلاً. كان كل نجْمٍ في السماء يشهد، كل كوكب في مساره يردِّد: لأن رحمته إلى الأدهر.
ثم جاءت الأرض، اليابسة من بين غمر المياه العاصف. لم تكن انفصالاً عنيفاً، بل كانت كولادةٍ بطيئة، كطفلٍ يخرج إلى الحياة. جبالٌ تنتفخ من الأعماق، وأنهارٌ تبحث عن مجاريها، ووهادٌ تستقرّ في مكانها. كل شيء بتدبير. وكل شيء، من حبة الرمل إلى قمة حرمون، يهمس بنفس الجملة: لأن رحمته إلى الأبد.
أغمضتُ عينيّ وتخيلت النهار الرابع. شمسٌ تضرم فتيل النهار، وقمرٌ يترصَّد الليل، كلٌّ في برجٍ لا يحيد عنه. كم مرة نظرنا إلى الشمس الغاربة، وكأنها تموت، ثم نتفاجأ ببزوغها في الصباح؟ إنه عهد لا ينكسر. إنه تذكار متجدِّد أن الذي رتَّب النيرات في السماء، هو الذي يرتب خطواتنا. لأنه إلى الأبد رحمته.
سمعتُ زقزقة عصفورٍ قريب. نظرتُ فوجدته يغتسل في بركة صغيرة تشكلت من ماء الجدول. تذكرتُ الكائنات الحية. ليست كآلات صماء، بل كإبداعٍ مفعم بالفرح. وحوش البرية بكل غرابتها، من أسد يزأر في البعد إلى ظبي يعدو بخفة. طيور السماء بكل ألوانها، من نسور شاهقة إلى عصفور الدوري المتواضع. كلُّها تخرج من يد الخالق، وكلُّها تعلن تنوع المحبة التي لا تُحصى. لأنه إلى الأبد رحمته.
لكن المزمور لا يقف عند الخليقة الجميلة. ينتقل فجأة إلى التاريخ، إلى أرض الواقع حيث يعثر البشر ويصرعون. “الذي ضرب مصر بأبطالها”. هنا يغيِّر النشيد نبرته. يصبح ذكر النعمة ذكراً للخلاص من العبودية. تصورتُ الليل البهيم على أرض مصر، صوت صراخ يعلو، ثم صمت رهيب. لم تكن ضربة انتقام عابث، بل كانت كسرًا لقيود شعبٍ وعدهم بميراث. كانت الرحمة هنا قاسيةً في مظهرها، عميقةً في غايتها. لأنه إلى الأبد رحمته.
ثم ذلك المشهد المهيب: شعبٌ يهرول في الظلام، بحرٌ منقلبٌ أمامهم، وجيشٌ متربصٌ خلفهم. ريح شرقية عنيفة، مياه منشقّة كجبلين من الرعب. خطواتٌ ترجف على قاعٍ يابس لم يسبق له مثيل. نظراتٌ إلى الوراء حيث مصابيح مركبات فرعون تتلألأ في الدجى. صرخة موسى، ونداءات النساء والأطفال. ثم العبور. ليس كهاربين، بل كمُعتقين. وعندما سقطت المياه عائدة، لم تكن غضباً فقط، بل كانت نهايةٌ لطغيان. لأن رحمته إلى الأبد.
سردُ المزمور يستمر، كسلسلة ذهبية تربط حدثاً بآخر. يقودهم في البرية، أرض قفراء وعطش. صخور تتفجر ماءً، وطعامٌ ينزل من السماء ليس كإعانة فقط، بل كتذكير يومي أنهم لم يُنسَوا. ثم المواجهات مع ملوك أقوياء، سيحون وعوج، ملوك عبر الأردن. معارك قد تبدو لمن لا يعمق النظر وكأنها عنفٌ محض. لكن الذاكرة المقدسة ترويها كفصول في مسيرة تحرير، كإزالة عوائق من طريق شعبٍ مقصود به أن يصل إلى موعد النعمة. لأنه إلى الأبد رحمته.
وصلتُ في قراءتي إلى القفلة. “الذي يعطى خبزا لكل بشر”. نظرتُ إلى سلة خبزي البسيطة بجانبي. رائحة الخبز الطازج تملأ الهواء. كم هذه العبارة بسيطة وعميقة! ليس فقط خبز المعجزة في البرية، بل خبز كل يوم. خبز الفلاح في حقله، وخبز الصانع في ورشته، وخبز الغريب في مدينتنا. هي رحمة لا تخص شعباً دون آخر، بل تمد يدها إلى كل نسمة حياة. لأنه إلى الأبد رحمته.
رفعتُ نظري عن المخطوطة. الشمس الآن ارتفعت، دفئها يلامس وجهي. النهر ما زال يهمهم بنشيده الأزلي. كل شيء حولي كان يردد نفس الجملة، لكن ليس بكلمات، بل بوجوده نفسه. ثبات الفصول، ودورة الماء من نهر إلى سحاب إلى مطر، وانتظام قلوبنا في صدورنا. كلها إشارات لا تتوقف.
المزمور 136 ليس مجرد قائمة بأعمال الله. إنه تعليم للنظر. تعليم لرؤية الخلفية الثابتة لكل حدث، جميله وقاسيه، العادي والمدهش. الخلفية هي الرحمة التي لا تتبدل، الأساس الذي يقوم عليه كل شيء. الندى على الورقة، والخلاص من العبودية، والخبز على المائدة، كلها تحمل نفس التوقيع: محبة لا تنتهي.
قمتُ من مكاني، وطيَّرت المخطوطة. لم أكن بحاجةٍ لقراءة الكلمات الآن. فقد صارت الأرض من حولي كلها سطراً في ذلك المزمور. وصارت خطواتي عائدة إلى البيت، جزءاً من تلك الرحمة الأبدية، التي تمسك بالكون، وتتوق إلى قلب كل سالك، منذ الأزل وإلى الأبد.




