الكتاب المقدس

غرس الأمل في أرض المنفى

كانت رائحة الطين والماء تأتيهم من نهر الفرات، كغريب يعتذر عن وجوده. في أكواخ بابل، حيث علق عزرا رحله على جدار من طين، كان الظلام يأتي مبكراً، يحمل معه صوتاً غريباً عن ألحان صهيون. كان ابنه الصغير، دانيال، يسأله كل مساء: “أبي، متى نعود؟” وكان عزرا يصمت، لأن الجواب كان كالشوك في حلقه.

في تلك الأيام، بدأت الهمسات تتناقل بين المنفيين. “قريباً.. قريباً سينقض الرب على بابل ويحطم نيرها.” كانت الكلمات تنتقل كالنار في الهشيم، تُشعل في العيون جمراً من انتظار طال. حتى جاء ناحوم الكاتب، وكانت يده ترتعش وهو يمرر رقعة جلد. “رسالة من أورشليم! من إرميا النبي! يقول الرب…”

اجتمعوا حول القنديل الضعيف، وامتلأ الكوخ بأنفاس حبيسة. بدأ عزرا يقرأ بصوت خشن، وكلماته تسقط كقطرات مطر على أرض عطشى:

“هكذا يقول رب الجنود، إله إسرائيل، لجميع المسبيين… ابنوا بيوتاً واسكنوا، واغرسوا جناتٍ وكلوا ثمرها. تزوجوا وولدوا بنين وبنات.”

صمت ثقيل. نظر عزرا إلى وجوههم المذهولة. كانوا يتوقعون نبوة حرب، نار تأكل بابل، صوت بوق الخلاص. لكن الكلمات كانت تدعوهم إلى الحياة، إلى التأصل هنا، في أرض لا تعرف إلههم.

تابع القراءة: “واطلبوا سلام المدينة التي سبيتكم إليها، وصلوا لأجلها إلى الرب، لأن بسلامها يكون لكم سلام.”

هنا ارتفع صوت شاول الحداد: “أصلّي من أجل هؤلاء الذين دنسوا الهيكل؟!” كان صوته مليئاً بالمرارة كعلقم. لكن عزرا استمر، وكأن الكلمات تكتسب قوة مع كل حرف: “لأني أنا عرفت الأفكار التي أنا مفتكر بها عنكم، يقول الرب، أفكار سلام لا شر، لأعطيكم آخرة ورجاء. فتدعونني وتذهبون وتصلون إلي، فأسمع لكم. فتطلبونني فتجدونني، إذ تطلبونني بكل قلبكم.”

في تلك الليلة، لم ينم عزرا. جلس على عتبة كوخه، ينظر إلى النجوم التي كانت ترصع سماء بابل نفسها التي كانت ترى من فوق أرض الموعد. كان الرب لا يطلب منهم أن ينسوا، بل أن يرجوا. الرجاء ليس هروباً من الواقع، بل شجاعة لتعيش فيه. في الصباح، أخذ دانيال وخرج إلى ضواحي المستوطنة. اشترى شتلة تين من تاجر بابلي عجوز. سأله التاجر: “من أين أنت؟” أجابه عزرا: “من أورشليم.” فقال الرجل: “أرض بعيدة. لماذا تغرس هنا؟” فتبسم عزرا وقال: “لأن إلهي وعده صادق.”

وبعد سنين، بينما كان دانيال يراقب ثمر التين الأول ينضج، جاءت أخبار عن اضطرابات في الإمبراطورية، عن فارس تعلو وبابل تتدنى. وتذكر عزرا كلمات إرميا الأخيرة في الرسالة: “لأنه هكذا قال الرب: إنه عندما تتم لبابل سبعون سنة، أتذكركم وأفي لكم بوعدي بإرجاعكم إلى هذا المكان.”

الوعود لا تفسر الواقع المرير، بل تخترقه كجذر شجرة تخترق الصخر. كان الرب يبنيهم في المنفى، ليكونوا شعباً ليس محصوراً بحجارة هيكل، بل مشدوداً بقلب ينتظر. وعرف عزرا أن الأواني المكسورة التي أحضروها من أورشليم لم تكن ذكرى حرب فحسب، بل نبوة: أن الكسر ليس النهاية. فالإله الذي يقود شعبه إلى المنفى، هو نفسه الذي سيأتيهم فيه، ليكون لهم إلهاً حتى في أرض غريبة، رجاءً في قلب اليأس، ووعداً لا يخزى أبداً.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *