الكتاب المقدس

وَعْدٌ لِلْجِبَالِ الْحَزِينَةِ

سَادَ الصَّمْتُ فَوْقَ الجِبَالِ، جِبَالِ أَرْضِ إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ صَمْتاً ثَقِيلاً كَحِجَارَةِ القُبُورِ. لَمْ تَعُدِ الأَوْتَارُ تَدُقُّ، وَلَمْ تَعُدْ أَصْوَاتُ الأَطْفَالِ تَمْلَأُ الأَوْدِيَةَ. كَانَتِ الأَرْضُ تَنْتَظِرُ، وَكَأَنَّ نَفَسَهَا مَحْبُوسٌ فِي صَدْرٍ مِنْ حَجَر. الْغُبَارُ هُوَ السَّيِّدُ الْآنَ، يَنْثَارُ عَلَى أَثَرِ أَقْدَامِ الْغُرَبَاءِ الَّذِينَ دَاسُوا حُقُولَهَا وَدَنَّسُوا مُقَدَّسَاتِهَا. وَلَكِنَّ هَذِهِ الأَرْضَ، فِي جَوْهَرِهَا، لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ تُرَابٍ وَحَصَى. كَانَتْ تُخْفِي فِي أَحْشَائِهَا ذِكْرَى وَعْدٍ، وَصَوْتاً خَفِيّاً يَتَحَسَّسُ طَرِيقَهُ نَحْوَ السَّمَاء.

فَفِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ السَّبْيِ، حَيْثُ كَانَتْ أَنْهُرُ بَابِلَ تَحْمِلُ فِي جَرَيَانِهَا آهَاتِ الْغُرْبَةِ، نَزَلَ كَلَامُ الرَّبِّ عَلَى حَزَقِيَالَ الْكَاهِنِ. لَمْ يَكُنْ صَوْتاً مُدَوِّياً يُقَلْقِلُ السَّمَاوَاتِ، بَلْ كَانَ كَنَفَحَةِ رِيحٍ عَتِيقَةٍ قَادِمَةٍ مِنْ بَلَدٍ بَعِيدٍ، تَحْمِلُ رَائِحَةَ الأَرْضِ الأُمِّ، رَائِحَةَ التُّرَابِ بَعْدَ أَوَّلِ مَطَر. وَبَدَأَ الْكَلَامُ يَتَشَكَّلُ كَنَبْءٍ، وَكَانَ مُوَجَّهاً لِلْجِبَالِ نَفْسِهَا، لِتِلْكَ الْكَتَلِ الصَّامِتَةِ الْحَزِينَةِ.

“اسْمَعِي أَيَّتُهَا الْجِبَالُ! اسْمَعِي أَنْتِ أَيَّتُهَا التِّلاَلُ وَالأَوْدِيَةُ وَكُلُّ مَغَارَاتِهَا! لَقَدْ سَمِعْتِ كَلَامَ الْمُحْتَالِينَ. لَقَدْ قَالُوا عَنْكِ: “هَا هِيَ الأَرْضُ قَدِ اكْتَلَأَتْ، وَأَصْبَحَتْ مَائِدَةً لَذَّةٍ لِكُلِّ طَائِفٍ وَغَرِيبٍ!” فَقَدْ أَكَلُوا ثَمَرَكِ وَشَرِبُوا لَبَنَكِ، ثُمَّ تَرَكُوكِ عُرْيَانَةً وَخَجْلَى، وَرَحَلُوا وَهُمْ يَسُبُّونَ اسْمَكِ بَيْنَ الأُمَمِ.”

صَوْتُ النَّبِيِّ كَانَ يَحْمِلُ وَقْعَ حِجَارَةٍ تَسْقُطُ فِي بِئْرٍ عَمِيقَةٍ. كَانَتْ كُلُّ كَلِمَةٍ تَرْسُمُ صُورَةً لِلْعَارِ الَّذِي لَحِقَ بِالأَرْضِ ل并لسَبَبِ شَعْبِهَا. لَكِنَّهُ لَمْ يَتَوَقَّفْ عِنْدَ حَدِّ اللَّوْمِ. فَمَضَى الصَّوْتُ الْخَفِيُّ أَعْمَقَ، إِلَى أَسَاسَاتِ الْجِبَالِ.

“لِذلِكَ، أَيَّتُهَا الْجِبَالُ، هَذَا مَا يَقُولُهُ السَّيِّدُ الرَّبُّ: قَدِ احْمَرَّ وَجْهِي غَضَباً مِنْ كُلِّ مَا عَانَتِيهِ أَرْضِي. وَلكِنْ اسْمَعِي: أَنَا أَرْفَعُ يَدِي لِلأُمَمِ الَّذِينَ حَوْلَكِ. أَنَا أَتَوَعَّدُهُمْ بِدَوْرِهِمْ. أَنَا أَرُدُّ لَكِ ثَمَرَكِ الْمَسْلُوبَ. سَوْفَ تَخْدُمُكِ الْحُقُولُ مَرَّةً أُخْرَى، وَلَنْ تَحْمِلِ الأَغْصَانُ عَارَ الْجُوعِ بَعْدَ الْآنَ.”

هنا، في قلب النبوة، حدث التحول. لم يعد الحديث عن الماضي، بل انفتح أفقٌ جديد، كشمسٍ تخترق السحب بعد عاصفة طويلة.

“وأنتِ يا أرضي، سأعمل من أجلكِ أكثر من ذلك. سأجعل البشر يسيرون عليكِ مجدداً، شعبي بيت إسرائيل بكامله. سيعودون ويزرعون كل تلة قاحلة، ويغرسون كل كرم مهجور. سأجعلكِ مأهولة كما في سابق عهدكِ، بل سأحسن إليكِ أكثر من ذي قبل. فتعلمين أني أنا الرب.”

كان الوعد ينسج نفسه كخيط من نور في الظلمة. لكن كيف؟ كيف تتحول أرضٌ مُقفرة، وشعبٌ مشتت القلب، إلى شيءٍ جديد؟

“لأجل اسمي القدوس”، هكذا تابع الصوت، “الذي دنَّسه شعبي بين الأمم حيث ذهبوا، سأقدس اسمي العظيم. سيعرف الأمم أني أنا الرب، حين أتقدس فيهم أمام عيونهم. وسآخذكم أنتم، يا بني إسرائيل، من بين الأمم، وأجمعكم من كل الأراضي التي تشتتم فيها، وآتي بكم إلى أرضكم.”

لكن العودة وحدها لم تكن كافية. فالقلوب لا تزال حجرية، والأرواح لا تزال ميتة. فهنا جاء وعدٌ يفوق كل تصور، وعدٌ بالخلق من جديد.

“وسأرش عليكم ماءً طاهراً فتطهرون. من كل أوساخكم وكل أصنامكم أطهركم. وأعطيكم قلباً جديداً، وأجعل في داخلكم روحاً جديدة. وأنزع ذلك القلب الحجري من لحمكم، وأعطيكم قلباً من لحم. وأجعل روحي في داخلكم، وأجعلكم تسيرون في فرائضي، وتحفظون أحكامي وتعملون بها.”

كانت الكلمات تهز كيان السامع. لم يكن مجرد غفران، بل خلقٌ جديد. قلب من لحم بدل الحجر. روح تُنفخ في التراب ليصير إنساناً حياً من جديد. الرب لا يصلح الأوضاع، بل يجدد الخليقة من جذورها.

“فس تسكنون الأرض التي أعطيتها لآبائكم. وتكونون لي شعباً، وأنا أكون لكم إلهاً. وأنقذكم من كل نجاساتكم. وأدعو الحنطة وأكثرها، ولا أجلب عليكم جوعاً بعد. وأكثر ثمر الشجر وغلَّة الحقل، فلا تتألمون بعد من عار الجوع بين الأمم.”

وبعد كل هذه الوعود، جاءت النهاية البسيطة العميقة، كخاتمة نشيد ملكي:

“فتذكرون طرقكم الشريرة وأعمالكم التي لم تكن صالحة، وتمقتون أنفسكم بسبب آثامكم ورجاساتكم. ليس لأجلكم أنا أفعل هذا، يقول السيد الرب، فليعلموا ذلك. اخجِلوا واخزوا من طرقكم يا بيت إسرائيل.”

وهكذا، في سَبي بابل، بين أنهار غريبة وأصنام غريبة، وُلد رجاءٌ لم يكن مبنيّاً على استحقاق، بل على نَفس الله القدوس، وعلى رحمته التي تخلق من العدم، وتُحيي العظام اليابسة، وتجعل من القفراء جَنَّةً، ومن القلب الحجري قلباً يخفق بحب خالقه.

وبعد سنين، حين عاد البعض إلى تلك الجبال، كانوا يحملون في صدورهم شيئاً من ذلك الوعد. وكانوا ينظرون إلى التلال التي بدأت تستعيد خضرتها، وإلى الحجارة التي أزيلت عن الحقول، فيتذكرون. ويتذكرون أن الخلاص لم يأتِ لأنهم أحسنوا، بل لأن اسم الرب قدوس، ولا يمكن أن يُهان للأبد.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *