الكتاب المقدس

الوديعة في ظلام الزنزانة

كان الظلام في الزنزانة ثقيلاً، كقطعة قماش مبتلة تخنق الأنفاس. لم يكن ظلام الليل فحسب، بل ظلام الحجارة الباردة، وظلام الانتظار. جلَسَ تيموثاوس على الحصير الخشن، مُستنداً بظهره إلى الجدار الذي تنضح منه رطوبة الشتاء. بين يديه، وُريقة من الرقِّ كانت أكثر لَمسات الدفء في هذا المكان. كانت رسالة. رسالة من مُعلِّمه، بولس، المسجون في مكانٍ ما من هذا السجن الروماني الواسع.

تنفَّسَ بعمق، فاختلطت رائحة القش المتعفن برائحة زيت المصباح الخافت. كانت الكلمات تُلامس عينيه في الضوء المتذبذب:

“إلى تيموثاوس، الابن الحبيب…”

ابتسمَ بتعب. كم كانت الكلمات تشع دفئاً. تذكر وجه بولس، المتجعد كجلد الزيتون القديم، وعينيه الحادتين اللتين كانتا تعرفان كيف تُذوِّبان الصخور في قلبه أحياناً. تذكر صوتَه وهو يعِظ في السهول والجبال، في السجون والسُفن، صوتٌ لا يعرف الكلل.

بدأت ذاكرته ترحل به بعيداً. إلى اللسترة، حيثُ التقت عيناه أول مرة بعيني ذلك الرجل الذي غيّر مجرى نهر حياته. كان فتىً خجولاً، تربّى على أحضان جدةٍ يهودية تقية، لوئيس، وأمٍ حانية، أفنيكي. كانت تروي له قصص الأنبياء قبل النوم، ويداه الصغيرتان تمسكان بالمخطوطات التي تتحدث عن موعود إسرائيل. كانت الإيمان نبعاً عذباً في بيته، قبل أن يصير ناراً متأججة في قلبه.

لكن الدنيا، آه… الدنيا كانت تقف كجدارٍ عالٍ بين ذلك الإيمان الهادئ وبين الجرأة على البُّروق. كان الخوف رفيقه الدائم: الخوف من نظرات الاستهزاء في المجمع، الخوف من صلف الفلاسفة في السوق، الخوف من بطش السلطة التي ترى في هذا الطريق الجديد تهديداً لها. كان يحمل اسم أمه اليونانية ويونانية أبيه في مجتمعٍ يقدس الأصول، فشعرَ أحياناً كأنه غريب في كل مكان.

ثم جاء بولس. جاء كالعاصفة التي تنظِّف السماء. لم يهتم لأصله المُختلط، بل رأى فيه تلميذاً. بل أكثر: رآه ابناً. “أشكر الله الذي أعبده من أجدادي بضمير طاهر، إذ أذكرك بلا انقطاع في طلباتي ليلاً ونهاراً.” قرأ تيموثاوس الكلمات، وشعر كأن يداً دافئة تلمس كتفيه المرتعشين. الله يعرفه. الله يذكره. الله لم ينسَ تلك الدموع الخفية التي سالت في لحظة تكريسه، عندما وضعت أيدي الشيوخ عليه وهو يشعر بثقل المسؤولية وهشاشة قلبه.

التفتَ نحو فتحة الزنزانة الصغيرة، حيثُ كان نور القمر ينسلُّ كخيط فضي نحيل. تذكر تحذيرات بولس القاسية واللطيفة في آن: “فلا تخجل بشهادة ربنا، ولا بي أنا أسيره.” كم مرة خجل؟ كم مرة تلعثم حين سأله أحدٌ عن رجائه، فآثر الصمت على مواجهة السخرية؟ الآن، ومعلمه في السلاسل، والإمبراطور نيرون يُشعل روما ويُلقي باللوم على المسيحيين، الآن أصبح الخجل رفاهية لا يقدر عليها. كان عليه أن يختار: أن يُخفي المصباح تحت المكيال، أو يرفعه عالياً حتى في العاصفة.

لفَّ وريقة الرقِّ بعناية، وكأنه يلفُّ كنزاً. كان بولس يذكّره بنارٍ كانت قد اضمحلت تحت الرماد: “أُذكِّرك أن تُشعل موهبة الله التي فيك بوضع يديّ.” نعم، كانت هناك موهبة. كانت هناك نعمة قوة ومحبة وتؤدة، أُعطيت له لا لأنّه بطل، بل لأنّ نعمة الله تملأ الخُلوة. هو لم يختر هذا الطريق، بل الطريق اختاره. ودعوته قد دُعيت قبل أن يُوجد العالم، ونعمته أُظهرت الآن بظهور مخلّصه. هذا هو السرّ: القوة ليست فيه، بل في الذي استودعه الإيمان.

سمع وقع أقدام الحارس في الممر البعيد. صوتٌ ثقيل وبطيء، كدقات ساعة الحِساب. لم يعد هناك وقت للتردد. السجن قد يصير قبراً له وللمعلم. ولكنّ الكلمات في الرسالة كانت تُنبض بحياةٍ أقوى من الموت: “لم يُعطِنا الله روح الفشل، بل روح القوة والمحبة والنصح.” روح النصح. يا لها من كلمة! ليست قوة العمى، بل قوة الحكمة. ليست محبة عاطفية فحسب، بل محبة تتحمّل الأذى وتصبر.

نهض تيموثاوس ببطء، مفاصله تؤلمه من البرد. مشى نحو فتحة الزنزانة، ورفع وجهه نحو ذلك الخيط النحيل من نور القمر. صلاته لم تكن طويلة، ولم تكن عظيمة. كانت همسة مكسورة: “أنت تعلم ضعفي. لكنّك تعلم أيضاً وعدك. ساعدني لأحفظ الوديعة.”

كان يعلم ما عليه أن يفعله غداً. سيكتب إلى المؤمنين في أفسس، سيشدّدهم، سيُواجه المعلّمين الكذبة، سيرعى القطيع تحت تهديد الذئاب. سيفعل ذلك لا لأنه شجاع فجأة، بل لأنّ النعمة التي فيه ليست خاملة. هي كالنار تحت الرماد، تحتاج فقط إلى تذكير، إلى نفسٍ من الروح القدس، إلى كلمات مُعلّم عجوز في السجن يكتب له: “يا ابني…”

عاد وجلس، وأخذ قلماً وورقة. فقد حان الوقت ليكتب هو الآخر. الوقت قصير، والنور الوحيد في الزنزانة هو مصباحه الخافت، والنار التي أعاد بولس إشعالها في أعماقه. نارٌ لا يُطفئها ظلام السجن، ولا خوف الموت، لأنّ الذي أوقدها هو حافظ الوديعة، وهو قادر أن يحفظ ما أودعه عنده إلى ذلك اليوم.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *