وكان المخيم كخلية نحل في هدوء الصحراء الصباحي، لكنَّ هدوءاً آخر كان يدبُّ في قلب موسى وهو يصعد إلى الجبل. حملت رياح الشمال عبير الزعتر البري، ولفَّ السكون رأس الجبل كرداء. هناك، في حجاب الغمام، تكلّم الرب.
لم تكن كلمات كالرعد، بل كانت كنبض في أعماق الروح. “انظر. قد دعوت بصلئيل بن أوري بن حور، من سبط يهوذا”. وتجلّت صورة الرجل أمام عيني موسى، ليس كخيال، بل كحقيقة معاشة: يداه تعرفان خشب السنط قبل أن تنحته، وعيناه تقرآن في عروق الذهب قصَّةً قبل صياغتها. لقد ملأه روح الله حكمةً وفهماً ومعرفةً، في كل صنعة. في تصميم المنمنمات على رؤوس الدبابيس، وفي سبك قوائم المذبح، في حياطة الحجارة الكريمة، وفي تطريز الكتان بألوان الفجر والياقوت.
ثم كان اسم أوهوليآب بن أخيساماخ، من سبط دان. وكأنما أردف الرب كلامه بنسمة من بشريَّةٍ مقصودة. فمن دان، سبط الحرفيين المتواضعين، جاء أوهوليآب ليكون اليد المؤازرة، والقلب الذي يفهم ما لا تُنطق به التصاميم. علَّمه الروح أن ينسج، أن يطبع، أن يرصِّع، أن يجمع بين خيط القصب وخيط الذهب. كان تكملة للرؤيا، كالظلِّ الذي يمنح النور عمقاً.
وتدافعت التفاصيل كأنهار من نور. خيمة الاجتماع وتابوت الشهادة والغطاء، والمائدة مع آنيتها، والمنارة الطاهرة من ذهب إبريز، ومذبح البخور ومذبح المحرقة، والبساط المصنوع من ألوان، وثياب القداسة لهرون الكاهن. كلُّ شيء، حتى دبابيس الخيمة وأوتادها، كلُّ ذلك نُقشَ في قلب موسى بكلماتٍ لا تنسى. كانت الموادُّ تلمع في مخيلته: ذهبٌ، وفِضَّةٌ، ونحاسٌ، وأسمانجونيٌّ، وأرجوانٌ، وقرمزٌ، وكتانٌ، وجلدُ كباشٍ مَسْوَدَّةٌ، وخشبُ سنطٍ. وكأنما كان الرب، خالق الكون، يهتمُّ بأدقِّ التفاصيل، وكأنَّ الجمال نفسه فرضٌ دينيٌّ.
ونزل موسى، وفي عينيه ذلك البريق الذي يأتي من لقاء الجلال. وجد بصلئيل قرب مسكن يهوذا، جالساً على حجر، يحدِّق في قطعة من خشب السنط وكأنَّه يستمع إليها. عندما سمع النداء، لم تظهر الدهشة على وجهه بل سلامٌ غريب، كمن وجد أخيراً ما كان يبحث عنه طوال عمره. وذهب أوهوليآب، الرجل الهادئ ذو الأصابع المخلصة، فانضمَّ إليهما دون ضجَّة.
وابتدأ العمل. وكانت حكمة الروح تظهر في دقَّة اليدين، في الصبر على النقش، في الاختيار الدقيق للحجر الذي يليق. لم تكن صنعةً عادية، بل كانت صلاةً بأصابع. وكثيراً ما كان بصلئيل يتوقف، ينظر إلى التصميم، ثم يعدل شيئاً بسيطاً، وكأنَّ صوتاً يهمس في أذنه. وأوهوليآب، كان يحلُّ المشكلات بعبقريَّة البساطة: عقدة في الحبل، ميلان في الإطار، تناغم في الألوان.
وفي ختام الكلام على الجبل، أعطى الرب موسى أمر السبت. “إنَّه علامة بيني وبينكم”. وكانت الكلمات واضحةً وصارمةً. ستكون السبت عطلة راحة مقدَّسة، مكرَّسة، علامة على أن الشعب مملوك للرب الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام واسترح في اليوم السابع. كل من يعمل في هذا اليوم، فعقوبته الموت. إنه عهد أبديّ.
وهكذا توقَّف صوت المطارق، وسكنت حركة المكوكات، كل يوم سبت. وكان في هذا التوقُّف إقرارٌ بأنَّ العمل، مهما كان مقدَّساً، ليس هو غاية الوجود. الغاية هي العلاقة مع الذي استراح، ومعطي المهارة نفسها. وكان السبت تذكيراً للجميع، حتى لبصلئيل الحكيم وأوهوليآب الماهر، بأنَّ البركة ليست في الصنعة وحدها، بل في الطاعة، وفي الراحة التي يأمر بها الله.
فأكملا العمل، كما أمر الرب. وفي صمت القبول هذا، في دقَّة الصنعة تلك، في احترام الراحة المقدَّسة، تمَّ بناءُ المسكن. وكان كلُّ مسمار، وكلُّ خيط، يشهد ليس فقط على مهارة الإنسان، بل على أنَّ الله يعطي النعمة ليديِّ من اختارهما، ليكون له مسكن بين شعبه.




