كان الجبل لا يزال يحمل ندى الفجر عندما استيقظ أليعازر. لم تكن رائحة الأرض البلّيّة بعد مطر الليل البارد هي ما نبّهته، بل ذلك الصمت المليء بالانتظار. كان يعرف، ككاهن يتنفس خدمة القدس، أن الأيام التي سيرويها للناس اليوم ليست مجرد تواريخ على جدار الهيكل. كانت نبضاً زمنياً إلهياً، مواسم مقدسة يلتقي فيها الزمن البشري الهارب مع الأبدية الراسخة.
جمع رجال القرية حول بئر الساعة، وبدأ حديثه لا كمن يلقن شرائع، بل كمن يستعيد ذكريات حية. “اسمعوا”، قال وصوته خشن قليلاً من السهر، “ليس للرب في سنتنا أيام عابرة. له مواسم.. مواسم نُخرج فيها من صندوق الأيام العادية، كنوزاً من نور.”
**السَّبْتُ: نَفَسُ الأبديّة في صدر الزمن**
“أولها وأساسها”، واصل أليعازر، بينما كانت عيناه تتجهان نحو الأفق حيث بدأت الشمس تُذيب قمم الجبال الذهبية، “هو السبت. لا تفكروا فيه كامتناع عن عمل فحسب. إنه توقفٌ متعمد، كالرسام الذي يبعد عن لوحته لينظر إليها. ستة أيام نغزل ونحيك ونبني، وفي اليوم السابع نتذكر أن الخيط والإبرة والحجر من عطاياه. هو يوم نتعلم فيه أن نكون، لا أن نمتلك.”
مرت لحظة صمت، لم يقطعها سوى صوت حمامة حلققت من سقف بيت مجاور. كان الجميع يشعرون أن الكلمات التي يسمعونها ليست درساً، بل دعوة.
**الفِصْحُ وَفَطِيرُ الْقَلْبِ**
“ثم، مع أول ربيع، حينما تنتفخ السنابل خضرة”، نبرة صوت أليعازر تغيرت، أصبحت أكثر حدة، كرائحة البصل البري الذي يظهر بعد المطر، “يأتي الفصح. ستذبحون حملًا في العشية، ودمه على القائمتين والعتبة العليا علامة. ولكم أن تسألوا: لماذا هذا التفصيل؟ إنه تذكير بأن الخلاص كان له باب محدد، وأن الحرية لم تأت مصادفة. ثم سبعة أيام تأكلون فيها خبزَ الْمِلَّةِ – فطيرًا. ليس لأن الخمير حرام، بل لأن الخروج من العبودية يتطلب سرعة، ويتطلب قلبًا غير مُتَخَمِّرِ بالكبرياء والأحقاد القديمة. كل فتات من ذلك الخبز الهشّ هو دعوة لأن تكنس زوايا نفسك من ‘خمير’ الكبرياء والغش.”
تذكر أحد الشباب، واسمه يوناثان، كيف كانت أمه تفحص كل زاوية في البيت بمنظف القصب قبل الفصح، وابتسم. الآن فهم أن التنظيف كان للقلب قبل البيت.
**بَاكُورَةُ الرِّضَا**
“وبعد أن تدوسوا البيادر وتجمعوا أول حزم القمح”، واصل أليعازر وهو يشير بيده المتمرسة إلى الحقول الممتدة خارج القرية، “تأتون إلى الكاهن بحزمة واحدة. واحدة فقط، هي أول باكورة محصولكم. ترفعونها كتعبير عن الشكر؟ لا. بل كإقرار. إقرار بأن كل ما في الأرض له. أنتم لا تقدمون له من ملككم، بل تعيدون له أول ثمار ملكه الذي استأمنكم عليه. هي حركة شكر تسبق الجمع والعدّ، تذكير بأن البركة ليست في المخزن الممتلئ، بل في القلب الممتلئ اعترافاً.”
**حَصَادُ الْخَمْسِينَ يَوْماً وَقَرَابِينُ الْبَهْجَةِ**
“ثم تعدّون من بعد السبت، من يوم إيتائكم بحزمة الترديد، سبعة أسابيع كاملة”، عدّ أليعازر الأسابيع على أصابعه المترهلة، “تسعة وأربعون يوماً. وفي اليوم الخمسين، يوم الخمسين، تعيدون. لا تأتون بحنطة، بل بخبز مختمر! نعم، مختمر. خبزان يُقدمان مع ذبائح سلامة. إنه عيد الشكر على الحصاد الكامل. والخمير هنا، بعد تطهير الفصح، يصبح رمزاً للامتلاء، للفرح، للحياة التي نعيشها بكل ثرائها أمامه. وتذكرون الغريب والفقير والأرملة. لأن فراديكم لا يكتمل إلا بفرحهم.”
**يَوْمُ الْكَفَّارَةِ: صَوْتُ الْبُوقِ الَّذِي يَهْزُّ النَّفْسَ**
هنا، توقف أليعازر طويلاً. وساد جو من الجدية. حتى الأطفال الذين كانوا يلعبون بالحصى توقفوا. “في الشهر السابع، في أول الشهر”، همس وكأنه يخشى إزعاج قدسية تلك الذكرى، “يكون لكم راحة، ذكرى هتاف بوق. ليس بوق حرب، ولا بوق احتفال. إنه صوت يهزّ الروح من سباتها، صوت يدعوكم للتوقف، للتأمل، لاستعادة الطريق.”
ثم، بعمق أكبر: “وفي العاشر من ذلك الشهر… يوم الكفارة”. حكت تجاعيد وجهه قصة خشوع عظيم. “يوم نُفْرَزُ فيه عن كل شغل. يوم يحمل فيه الكاهن العالي دم ذبيحة خاصة إلى قدس الأقداس، حيث لا يدخل أحد سواه، مرة واحدة في السنة. هو يوم مصالحة. مصالحة بينكم وبين السماء. يوم يُغْسَلُ فيه الهيكل، وتُغْسَلُ فيه القلوب. تُذكِّرُنا خطورة الدخول إلى الحضرة، بثمن المصالحة الغالي.”
**مَظَالَّ النِّعْمَةِ**
وبسرعة، كما تتبدل السحب في سماء الخريف، انتقلت تعابير وجهه إلى البهجة. “وبعد خمسة أيام فقط، تبدأ سبعة أيام من الفرح المختلف. عيد المظال! تخرجون من بيوتكم الحجرية الدافئة، لتعيشوا في مظال من سعف النخيل وأغصان الزيتون. لماذا؟ لتتذكروا أن آباءكم، بعد خلاصهم من العبودية، سكنوا في خيام في البرية. ولكي لا يقول أحد منكم، عندما تبني بيتاً فاخراً وتملأ مخازنك: ‘قوتي وقدرة يدي صنعت لي هذه الغنى’. الذكرى هنا جسدية، تلمسها بيديك، تسكنها بجسدك. وتقدمون ذبائح كثيرة، كصورة عن فرط النعمة التي أغدقها عليكم.”
وأنهى كلامه بنظرة شاملة للحضور: “وفي اليوم الثامن، يكون محفل مقدس أخير. جمعٌ وختام. كأن الرب يقول لكم: بعد كل هذه المواسم، بعد الذكرى والتوبة والشكر والفرح، ها أنا معكم. إقامتكم معي دائمة، لا تحتاجون حتى لمظلة. أنتم في حضرتي.”
سكت أليعازر. وكانت الشمس قد ارتفعت كقرص من ذهب، تغسل ساحة القرية بنورها. لم يكن قد أعطى قائمة أوامر. كان قد رسم خريطة زمنية للقلب. خريطة حيث يتقاطع تاريخهم المقدس مع حقولهم وحياتهم اليومية. قام يوناثان، الشاب، وهو يفرك كفّيه من أثر الجلوس الطويل، يشعر أن الهواء نفسه أصبح مختلفاً. كانت الأيام القادمة، كلها، حتى أكثرها اعتيادية، تحمل الآن احتمالاً للقداسة. لم تعد المواسم مجرد طقوس، بل كانت كالمنارات تضيء رحلة عام كامل، مذكرة أن الزمن نفسه، بكل تفاصيله، يمكن أن يكون مقدساً.




