الكتاب المقدس

ناموس الحياة النابض

في أواخر أيام الجفاف، حينما كان الغبار الأبيض يعلو الطريق المؤدي إلى قرية “نُوْفَة”، عاد أليفاز من السوق محمّلاً بغلّتين من التين اليابس وقليل من الزيت. كانت شفتاه تتحركان بصمت، كمن يهذي بذكرياتٍ عتيقة. لم يكن أليفاز رجلاً بليغاً، لكن سنواته السبعين علمته أن الناموس ليس حروفاً على درج، بل هو نسيج الحياة ذاته، الخفيّ والظاهر.

كان ابنه الأصغر، حَنَان، ينتظره عند مدخل الكرم. لم تكن العلاقة بينهما سهلة منذ أن طلق حنان زوجته الأولى، راحيل، قبل ثلاث سنين. كان الطلاق قد تم على عجل، في غضبة شباب، وبورقة كتبها كاتب في الزاوية. يتذكر أليفاز تلك الأيام كأنها ظلّ بارد على قلبه. كان قد جلس مع ابنه تحت شجرة البطم، وقال له بصوته الخشن: “اسمع يا ولدي. إن أخذ رجل امرأة وتزوّج بها، فإذا لم تجد نعمة في عينيه لأن وجد فيها عيب شيء وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته…”. توقف وكأنه يبحث عن الكلمة في ذاكرته المتعبة. ثم أضاف: “فإذا خرجت من بيته وذهبت وصارت لرجل آخر، لا يقدر زوجها الأول الذي طلقها أن يعود يأخذها لتصير له امرأة.” نظر حنان إلى الأرض، محرجاً وغاضباً. لم يفهم وقتها أن الكلمات كانت سداً منيعاً ضد الفوضى، ضد أن تصير المرأة سلعة تنتقل بين الأيدي دون كرامة.

لكن القصة لم تنتهِ هناك. بعد سنتين، سمعوا أن راحيل تزوجت من تاجر من قرية مجاورة، ثم مات التاجر فجأة بمرض لم يعرفه أحد. عادت راحيل إلى بيت أبيها في نوفة، محمّلة بذكريات مرّة وثياب بالية. وجاء حنان ذات مساء لأبيه، وعيناه تلمعان بفكرة العودة، بفكرة استرجاع ما فقده. جلس أليفاز على مقعده من الحجر، ونظر إلى آخر شعاعات الشمس تغيب خلف التلال. قال ببطء: “لا، يا بني. قد تنجّست. لا تحل له. ذلك رجس أمام الرب.” كانت الكلمات ثقيلة كالحجارة. بكى حنان ذلك اليوم، لا لأنه أراد راحيل، بل لأنه أدرك أخيراً ثقل القرارات، وأدرك أن بعض الأبواب تُغلق إلى الأبد.

وفي الصباح التالي، جاءت أمور أخرى تذكّر أليفاز بفصول الناموس. رأى صديقه القديم، إلياس، وهو يحمل رحى صغيرة لطحن الحنطة. كانت الرحى العليا بين يديه، والرحى السفلى معلقة بحبل على كتفه. توقف أليفاز وسلم عليه. قال إلياس وهو يلهث: “العجوز لا يزال بحاجة لخبزه اليومي.” تذكر أليفاز فجأة كلمات سمعها في صباه من الكاهن: “لا تُرْهِنْ رَحى ولا رحى اليد، فإنه يُرْهِنُ بها نفساً.” ابتسم في داخله. الناموس يرى ما لا تراه العيون؛ يرى أن أخذ الرحى كرهن هو أخذ وسيلة الحياة ذاتها، هو وضع ثقل على كاهل النفس، لا على كاهل الجسد فقط. ساعده بحمل الرحى السفلى حتى بيت إلياس، ولم يذكر له شيئاً عن الناموس. كانت المساعدة نفسها هي التفسير الوحيد المطلوب.

وبعد أيام، حين اشتد الحر، جاءته خلافات بين الحصّادين في حقله. كان الفقراء والغرباء يأتون كالعادة ليلمّوا السنابل التي تسقط. لكن بعض الشبان كانوا يبخلون، يحرصون على كل سنبلة، حتى تلك المنسية في الزاوية. جمع أليفاز الحصادين عند البيدر عند المغيب. وقف وهو يتكئ على عصاه، ونظر إلى الحزم الذهبية. قال: “إذا حصدت حصيدك في حقلك ونسيت حزمة في الحقل، فلا ترجع لتأخذها. للغريب واليتيم والأرملة تكون.” ثم أمسك بسيقان شعير وفركها بين يديه، وترك الحبوب تتساقط على الأرض. “وحين تحصد زيتونك، لا تُفَتِّشْ وراءك. وما يبقى للغريب. وحين تقطف كرمك، لا تَبْقُلْ وراءك.” سكت برهة. “اذكروا أنكم كنتم عبيداً في أرض مصر. لذلك أنا آمرك أن تفعل هذا الأمر.”

لم تكن كلمات خطابية، بل كانت أشبه بحديث الرجل لنفسه وهو يتأمل تدبير الرب. رأى في عيون بعض الشبان الحيرة، وفي عيون الفقراء أملاً خفياً. وعندما انصرفوا، بقي شيخٌ من الغرباء، واقفاً عند حافة الحقل، يلتقط ما بقي من شماريخ متفرقة. نظر إليه أليفاز طويلاً، ثم أشار إلى زاوية لم يلمسها الحصادون، حيث بقيت حزمتان جيدتان. فهم الشيخ الإشارة، وعيناه تدمعان من الفرح والذل معاً. ذاك هو الناموس الحقيقي، ليس تهديداً، بل تعييناً للحدود التي تحفظ للضعيف أنفاسه.

وفي المساء، بينما كان يجلس على عتبة بيته، رأى حنان يوبخ عبداً له من الموصوريين، ارتكب خطأ بسيطاً. اقترب أليفاز ووضع يده على كتف العبد المرتعد. قال لابنه بهدوء: “لا تُسَلِّمْ إلى سيده عبداً هرب من سيده.” كان العبد يستمع، وعيناه واسعتان. “يُقيم عندك، في وسطك، في المكان الذي يختاره.” التفت أليفاز إلى العبد. “في أحد أبوابك. لا تُضطهِدْهُ.” كان القانون غريباً حتى على مسامع ابنه. قانون يحمي الهارب، يمنحه ملاذاً في مجتمع ليس مجتمعه. لماذا؟ لأن القلب يعرف مرارة العبودية، والناموس يطلب من القلب أن يتذكر.

نام أليفاز تلك الليلة، وفي أحلامه رأى درجاً من جلد، مفتوحاً على سفر التثنية. لكن الحروف لم تكن ثابتة، بل كانت تتحرك وتتشكل كأنها حياة نابضة: امرأة تترك بيت زوجها بكرامة، ورحى تدور لطحن قوت اليوم، وغريب يلتقط سنبلة على حافة حقل مُذْهَب بضوء الشمس، وعبد هارب يجد باباً مفتوحاً ووجهاً لا يعرف الخوف. كان الناموس، في النهاية، ليس قيوداً من حديد، بل سياجاً من شجر الزيتون، يحمي الحياة الهشة من الريح العاتية، ويسمح للشمس بأن تنفذ، قطعة قطعة، لتدفئ كل من تحت ظلاله.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *