كان الجو حارًا ذلك اليوم، حارًا كما في قيعان الأودية الجافة. غبار الطريق من قرية يعاريم يعلو كسحابة خفيفة، ملتصقًا بالعرق على وجوه الرجال الذين سحبوا العربة الجديدة. كان خشبها لا يزال ينضح رائحة الأرز، وكانت الثيران تمشي ببطء متعمد، كما لو أنها تشعر بثقل ما تحمله.
على العربة، تابوت العهد. صندوق من خشب السنط، مغشى بالذهب من كل جانب، وعلى غطائه كروبان يظلان العرش غير المرئي. كان مجرد وجوده يملأ الجو برهبة غريبة. لم يكن شيئًا يُنقل كأي متاع. كان ذكرى لقاءات الله مع آبائهم في البرية، كان نارًا مقدسة في قلب تاريخهم. لكن الناس، في فرحتهم بإرجاعه بعد غياب طويل، قرروا أن يجعلوا الطريق أسهل. وضعوه على عجلات.
عزيا، أحد أبناء أبي ناداب، كان يسير إلى جانب العربة، يلمع عينيه بين الحين والآخر نحو التابوت المغطى بالبطائن. كان قلبه مملوءًا بفخر غريب. أن يسمح له بأن يكون قريبًا هكذا، أن يلمس – لا، لا يلمس – أن يكون قريبًا فقط من هذا المجد. كانت ذاكرة الطفولة عن قصص أبيه عن قدسية التابوت تختلط مع واقع منظره الصامت الآن، فتشعر وكأن شيئًا عظيمًا نائمًا قد يفيق في أي لحظة.
داود، الملك الشاب، كان يتبع وراءهم مع حاشيته. لم تكن خطاه خفيفة كعادته عندما يعدو خلف غنمه قديمًا. كانت ثقيلة، مفعمة بقلق لم يستطع أن يسميه. كانت فكرته كلها إرجاع التابوت إلى قلب الشعب، إلى أورشليم، ليكون الرب في وسطهم. لكن شيئًا في صمت الكهنة، في طريقة تجنبهم النظر المباشر، كان يثقل نفسه. كانت فرحته العارمة عندما قرر نقل التابوت تبرد قليلًا تحت شمس الظهيرة، وتحولت إلى ترقب حاد.
وفجأة، دون سابق إنذار، أحدثت إحدى عجلات العربة خشخشة غريبة، ثم انحشرت في حجر كبير طَفَتَ على الطريق غير المستوي. اهتزت العربة بعنف، ومالت بشكل خطر. رأى الجميع المشهد وكأنه في حلم بطيء: التابوت يزل عن مكانه قليلًا، مائلاً نحو الحافة، وكأنه على وشك السقوط في غبار الأرض.
عزيا، بغريزة سريعة كالبرق، مد يده. لقد نسى كل شيء في تلك اللحظة – نسى الشريعة، نسى التحذيرات، نسى القداسة التي تحترق. كل ما رآه هو أن شيء ثمين على وشك السقوط. فأمسكه.
لم يكن هناك صوت رعد، ولا نار نزلت من السماء كما يتخيل البعض. كان هناك صمت. صمت ثقيل كالصخر. ثم سقط عزيا على الأرض، بجانب العجلة المغروزة، ميتًا. يده لم تكن محترقة، ولا جسده مشوها. فقط الحياة خرجت منه كما يطفئ الإنسان سراجًا. نظرة ذهول مجمدة في عينيه المفتوحتين نحو السماء الزرقاء الخالية.
صرخة رعب واحدة قطعت ذلك الصمت، ثم هدوء رهيب. توقفت الثيران. توقف الغبار. توقف الزمن نفسه. كل العيون كانت على الجسد الهامد، ثم على التابوت الذي عاد إلى استقراره الغامض، وكأن شيئًا لم يكن.
في قلب داود، انقلبت الفرحة إلى رعدة باردة. غضب؟ لا، لم يكن غضبًا. كان خوفًا. خوفًا قديمًا وعميقًا، كخوف موسى أمام العليقة. “كيف يأتي إليّ تابوت الرب؟” همس في داخله. لقد ظن أن الفرح، والرغبة الحسنة، والموسيقى، تكفي. نسي أن القداسة ليست طاقة يمكن توجيهها، ولا مجرد رمز يمكن نقله. هي حضور يحرق كل ما هو غير طاهر. حتى النية الحسنة، إذا خالطتها اليد البشرية المتعجلة، يمكن أن تصير موتًا.
أمر داود بأن تحول العربة عن الطريق إلى أرض عوبيد أدوم الجتي. كان الرجل غريبًا، ليس من إسرائيل. ربما، فكر داود في مرارته، أن الرب سيكون أرحم مع غريب لم يدّعي قط أنه يعرف طريقه. تركوا التابوت هناك، في بيته المتواضع عند أطراف القرية، وانصرفوا reg reg reg reg reg reg إلى أورشليم، ليس بصرخات الفرح والرقص، بل بصمت المُنكسرين.
ثلاثة أشهر كاملة، كان داود كمن يحمل جمرًا في صدره. أخبار عن بركة عظيمة حلت على بيت عوبيد أدوم، على حقوله، على أسرته، كل شيء ازدهر من حول التابوت. كانت البركة صامتة، سلمية، بلا عجلات ولا مواكب. فبدأ يفهم. القداسة التي تحرق، هي نفسها التي تبارك. ليست القوة العمياء، بل الحقيقة المطلقة التي لا تتغير. الذي يحترمها، حتى وهو غريب، يجد الحياة فيها.
فاستدعى الكهنة واللاويين هذه المرة. لا عجلات، لا ثيران. على الأكتاف تُحمل، بالطريقة التي أوصى بها موسى منذ زمن بعيد في البرية. وكل ست خطوات، يذبحون ثورًا وكبشًا. تكفير، وشكر، وتذلل.
وعندما سمع داود وقع أقدام حامليه وهم يصعدون إلى أورشليم، انفتح شيء في روحه. لم يعد الخوف خوف الموت، بل صار خوفًا ممزوجًا بفرح جارف، كمن وجد كنزًا كاد يضيعه. فخلع رداء الملك الفاخر، وارتدى جبة كتان بسيطة كالتي يرتديها الكهنة، وبدأ يرقص. ليس رقصًا منتظمًا، بل اندفاعًا كاملاً بكل جسده. يدور، يقفز، يرفع ذراعيه. ومعه كل الشعب يهتف، والأبواق تئن، والصنوج تُقرع.
ولم تكن تلك رقصة الاستعراض، بل كانت رقصة الانكسار. جسده كان يصرخ بما لم تستطع كلماته أن تعبر عنه: “أنت عظيم، وأنا صغير. أنت قدوس، وأنا نادم. خذني كما أنا.” كانت كل قفزة تكفير عن خطئه، وكل دوران اعتراف بأن الملكوت ليس له، بل للرب.
وامرأته، ميكال ابنة شاول، نظرت من الشباك. ورأت الملك، سليل يهوذا، يرقص كأي رجل من عامة الشعب. وانكمش قلبها بالاحتقار. في عينيها، كان ذلك انتقاصًا من هيبة العرش. لكنها لم ترَ ما كان يحدث. لم ترَ أن التابوت، ذلك النار المقدسة، كان يدخل أخيرًا إلى خيمة أعدت له من القلب، لا على عجلات من صنع البشر. وأن داود، بجبة الكتان وعرقه ولحيته المتناثرة، كان في تلك اللحظة أكثر ملكًا من أي وقت مضى، لأنه فهم أخيرًا أن التاج الحقيقي هو أن تكون عبدًا مبتهجًا أمام ملك الملوك.
وعندما انتهى اليوم، وانتهت الذبائح، وبارك داود الشعب وعاد إلى بيته ليبارك أسرته، واجهته ميكال بكلماتها القاسية. فكان رده ليس دفاعًا عن نفسه، بل بيانًا لإيمانه الجديد: “أمام الرب رقصت. نعم، أهنت نفسي أكثر من هذا، وأكون حقيرًا في عيني. أما تلك الجواري اللواتي ذكرتهن، فإلى جانبي يكرمُنني.”
لم يكن كبرياء، بل تحرر. التحرر من أن يُقاس بمقاييس الناس، حتى أقرب الناس إليه. لأنه وجد نفسه أمام مقياس آخر، مقياس القداسة الذي كسرته يده البشرية ثم رحمته، فلم يعد يخشى شيئًا بعد اليوم سوى أن يبتعد عن ذلك النور الذي أحرقه ثم شفاه. وكان التابوت هناك، في وسط المدينة، في خيمته البسيطة، صامتًا كعهده، يشع بسلام غريب، تذكارًا ليوم ماتت فيه اليد المتعجلة، وولدت فيه روح العابد الحقيقي.




