الكتاب المقدس

سبي يهوياكين ونهاية أورشليم

كانت رياح الشمال الباردة تحمل معها رائحة التراب والرماد، فكانت نبوخذنصر ملك بابل لا يزال يلفظ أنفاس غضبه على كل الأرض. وفي أورشليم، جلس يهوياكين بن يهوياقيم على كرسي داود، شاب في الثامنة عشرة من عمره، يحمل تاجاً أثقل من جبال يهوذا كلها. كانت ظلال خطايا أبيه وجدته، منسوجة كحجاب سميك في أروقة القصر، تلامس حتى حجارة الهيكل الذي بناه سليمان.

لم تكن الأيام أيام بركة. لقد أرسل الرب غزاة عليهم، كمخلصين لحكمه العادل، فجاءت جيوش الكلدانيين والسريانيين والموآبيين والعمونيين، كسيل جارف أتى بأمر منه ليبيد يهوذا. لم يكن ذلك فجأة، بل كان كصوت رعد بعيد يعلو تدريجياً حتى يملأ الأفق. تذكر الشيوخ كلام إرميا النبي، ذلك الصوت الوحيد الذي كان يصرخ في البرية، محذراً من السبي والدمار إن لم ترجع قلوب الشعب. لكن آذان الملوك كانت تصغى فقط لهمسات الأنبياء الكذبة، الذين كانوا يهتفون: “سلام، سلام”، ولا سلام.

وفي السنة الثالثة من حكم يهوياكين، عندما كانت ثمار الرمان تبدأ بالنضج على سفوح بيت لحم، تحركت جيوش بابل العظيمة. رأى الحراس من فوق الأسوار سحابة غبار ضخمة تزحف من الشمال، كوحش عملاق يستيقظ من سباته. كان نبوخذنصر نفسه قد جاء، بعد أن أخمد التمرد في أرضيه، ليُذّكر هذا الملك الصغير بمن هو السيد الحقيقي.

حصار طويل مر، كأن الليالي تلد أياماً متشابهة من الجوع والخوف. صارت وجوه الأطفال كالشمع، وصار صوت بكاء الأمهات أكثر تواتراً من نداءات الكهنة عند الهيكل. وكان يهوياكين، تحت وطأة اليأس وصراخ الشعب، يخرج هو وأمه وخدامه وخدامه ورؤساؤه وخصيانه، ويفتح أبواب المدينة العظيمة. في ذلك اليوم، كان لون السماء رمادياً كالحداد، ولم تكن تغرد طيور.

دخل ملك بابل المدينة، وأخذ من هناك جميع كنوز بيت الرب وكنوز بيت الملك. لم يترك شيئاً. وكما تكلم الرب على لسان أنبيائه، قطَّع كل آنية الذهب التي صنعها سليمان، فصار الذهب المقدس غنيمة في أيدي أمم لا تعرف الرب. سُمع صوت تمزيق المعدن وصليل الفضة يومها، صوتاً أخشع من صوت انكسار الأواني الفخارية.

ثم أخذ الملك كل أورشليم، وكل الرؤساء وكل جبابرة البأس، عشرة آلاف مسبيّ. لم يكن سبي العوام فقط، بل كان سبي العقول والصنائع والبطولات. أخذ كل الصانع والقيّال، ولم يبقى إلا مساكير شعب الأرض. رأى الناس أحباءهم يُساقون في قيود، كقطعان إلى طريق لا يعرفون نهايته، طريق الشمال الطويل إلى بابل. كانت أصوات النحيب تملأ الوادي، حتى كأن جبال يهوذا نفسها تبكي.

وعيّن نبوخذنصر متَّنيَّا، عم يهوياكين، ملكاً مكانه، وغير اسمه إلى صدقيا. كان رجلاً ضعيف الإرادة، كقصب تحركه الريح. أعطاه عرشاً من خشب، وسلطاناً على ظل. وبقي في أورشليم بقية الشعب، ينظرون إلى القصر الفارغ، وإلى الهيكل المنهوب، ويتساءلون: أين عهد الرب مع داود؟ أين المواعيد؟

لكن قلوب الحكماء تذكّرت. تذكّروا أن الرب صباحاً بعد صباح يرسل لهم كلمته على لسان عبيده الأنبياء، ولكنهم لم يسمعوا. كانت خطايا منسى، ذلك الملك الذي ملأ أورشليم دماء أبرياء حتى الثمالة، لا تزال تلاحقهم كدين يجب دفعه. لقد رفضوا الانصياع، فصار السبي مصيرهم. لم تكن قسوة بابل هي السبب، بل كانت أيدي هم أنفسهم، بمعاصيهم وعبادتهم للأصنام تحت كل شجرة خضراء، هي التي جلبت هذا الدمار.

وهكذا ابتدأت أيام السبي. أيام الغربة. وبدأت نبوة إرميا تتحقق كلمة كلمة، ليس كخبر عاجل، بل كحقيقة مريرة تسكن العظام. كانت أورشليم الآن مدينة أشباح، يحكمها ملك دمية، ويحميها جدران مهزومة من الداخل قبل أن تَهزم من الخارج. والرب، في صمته الجليل، كان ينتظر. ينتظر رجوع قلوب لم تتعلم بعد أن طريق الحياة لا يكون إلا في طريقه هو وحده.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *