وكان الجو في القاعة الكبرى للقصر ثقيلاً كعباءة من رصاص. شمس المغرب الأخيرة تتسلل من النوافذ العالية، فتصبغ السجاد الفارسي والسقوف المذهبة بلون أشبه بالنبيذ القديم، أو بالدم. كان الملك أحشويروش جالساً على سريره العالي، والمسند من ذهب، وقد بدا عليه ما بدا من تراخي النعمة بعد ساعات من الوليمة. إلى جانبه، على مقربة غير معتادة، جلست الملكة أستير. لم تكن تلبس تاجها، لكن جلالاً صامتاً يحيط بها، كأن نوراً بارداً ينبعث من ثباتها.
أمامهما، على الطرف الأدنى من المائدة الفاخرة، جلس هامان. كان ثوبه من أرفع الكتان المصري، مطرزاً بخيوط أرجوانية، وعلى صدره وسام الملك الأعلى. لكن عينيه، الصافيتين كزجاج، كانتا تراقبان أستير بعناية الصياد الذي يتربص بفريسة غريبة. لم يفهم بعد لماذا دعت الملكة الملك والملك وحده إلى هذه الوليمة الثانية. في بطنه، تحت الثياب الفاخرة، كان قلبه ينقبض انقباضات صغيرة متلاحقة.
امتلأت الكؤوس مرة أخرى بالخمر. ثم رفع الملك كأسه، ونظر إلى أستير، وكان صوته رخيماً، راضياً: “ما هي طلبتك يا ملكتي أستير؟ فلتُعطى لك. وما هي مسألتك؟ حتى لو نصف المملكة فسيتم.”
سكنت كل حركة في القاعة. حتى الخدم وقفوا كالتماثيل عند الأعمدة الرخامية. نظرت أستير بعينين واسعتين إلى الملك. رأى أحشويروش فيها، للمرة الأولى، ذلك العمق الذي لم يلحظه من قبل. لم يكن عمق جمال، بل عمق جرح قديم، أو رهبة مقدسة.
ثم تكلمت. لم يكن صوتها عالياً، لكنه قطع الصمت قطع السيف الحريري. “إن نلت نعمة في عينيك أيها الملك، وكان الملك راضياً، فلتُعطَ لي حياتي، وهذه مسألتي. وشعبي، وهذه طلبتي.”
سقطت الكلمة الأولى كحجر في بركة ساكنة. الحياة؟ شعر أحشويروش بأن دفء النبيذ يتبخر من عروقه. جلس أكثر استقامة. “حياتك؟ وما الخطر على حياتك أيها الملكة؟ ومن هو الذي تجرأ فامتلأ قلبه ليسلمك للموت؟”
كانت أنفاس هامان قد علت في صدره. يده، التي كانت تمسك الكأس، تصلبت. لم يعد يرى غير ظهر أستير النحيل، الجالس بثبات كالسيف في غمده.
أدارت أستير وجهها نحو الملك بالكامل. النور الخافت يلعب على محجريها الشاحبين. “الخصم والعدو، هذا الرجل الشرير، هو هامان هذا الذي جلس هنا.”
لم تكن صرخة، بل كانت إعلاناً. كلمة واحدة، “هامان”، معلقة في هواء القاعة، ثقيلة، قاطعة. نظر أحشويروش إلى وزيره الأول، فلم يرَ سوى وجه شاحب قد تشوه فجأة بكامل ما فيه من غرور وخبث. رأى العينين وقد امتلأتا برعب وحشي، والفم الذي فُتح دون أن يخرج صوت.
لم تنتظر أستير. استمر صوتها، الآن وقد اكتسب شيئاً من حدة موجعة. “كيف أقدر أن أسكت وأنا أرى البلية التي تصيب شعبي؟ كيف أقدر أن أرى هلاك عشيرتي؟”
كان الملك يغلي من الداخل. الغضب، والخداع، والخوف من أن يكون قد وقع في فخ لا يفهمه، كلها ثارت في صدره. دفع المائدة أمامه دفعاً خفيفاً، وكأنه يريد مساحة بينه وبين الخيانة التي تلمع في عيني هامان. ثم نهض، وغادر القاعة إلى الجنينة الملحقة بالقاعة، حيث أشجار البرتقال والنخيل تروح بعطرها في الليل الآتي. كان بحاجة إلى هواء، إلى لحظة واحدة من الوضوح.
في القاعة، بقيت أستير جالسة، صامتة، عيناها على المائدة الفارغة أمامها. وأما هامان، فقام على قدميه مرتجفاً. لقد أدرك أن المصير قد التف حول عنقه كحبل. رأى أن غضب الملك قد اشتعل عليه. فاندفع، تاركاً مكانه، ووقع عند موطئ السرير الذي جلس عليه أحشويروش، حيث بقيت أستير. مد يديه في توسل يائس. “أرجوك، يا مولاتي الملكة…”
في تلك اللحظة بالذات، عاد الملك من الجنينة، وقد استبد به الغيظ كالنار. وما رآه؟ رآى هامان منسداً على موطئ السرير حيث تجلس الملكة، قريباً منها، يداه ممدودتان. فصاح بصوت مختنق: “أحتى لتغتصب الملكة أيضا معي في البيت؟”
لم ينتظر جواباً. لم تكن هناك حاجة لجواب. كان المشهد يتكلم بلغة أفظع من أي كلام. التفت إلى الخصي حاربونا، الذي كان واقفاً عند الباب، مكتوف اليدين، عيناه تنظران إلى الأرض. وكان على حاربونا أن يقول كلمة واحدة فقط، كانت قد أعدت من قبل، كأن القدر نفسه كان ينسج الخيوط.
“هوذا المشنقة أيضاً التي عملها هامان لمردخاي، الذي تكلم بالخير للملك، قائمة في بيت هامان، ارتفاعها خمسون ذراعاً.”
كانت تلك هي الشهادة الأخيرة. لمحت عينا هامان المشنقة في فناء بيته، التي بناها بحقد، تتجسد الآن أمامه كشبح من خشب وحبل. فلم ينطق.
فقال الملك، وكلماته الآن باردة كحد السكين: “اصلبوه عليها.”
فغطى الوجوه وجه هامان، كعادة من يذهبون إلى الموت المشين، وأخذه الخصيان في الحال. كانوا يعرفون الطريق إلى بيته. وفي الفناء، حيث كانت المشنقة تناطح السماء بخيلاء، نفذ الحكم مع آخر خيوط النهار. وهكذا كان سقوط الذي بنى مرتفعاً ليرى هلاك غيره، فكان مرتفعه قبره.
عاد الهدوء إلى القاعة. الشمس قد غابت، وأضيئت المصابيح. جلس أحشويروش مرة أخرى بجانب أستير، وأعطاها بيت هامان، عائلته، كل ما كان له. ولكن نظرتها كانت بعيدة، تتجه عبر النوافذ نحو المدينة، حيث شعبها المنتشر في كل ولاية، لا يزال الخطر يحيط بهم كالظل. كانت المعركة الأولى قد انتهت. لكن الليل كان لا يزال طويلاً.




