الكتاب المقدس

ذاك النور تحت الرماد

كان القمر ليلة أمس بدراً كاملًا، مُعلِّقاً في سماء الصحراء الشاسعة كمصبحَة فضية، يُلقي بأشعته الباردة على الصخور السوداء والتلال الرمادية. جلستُ وحيداً في خرائبي، كعادتي في هذه الساعات المتأخرة، وأمامي بقايا نار خمدت جمرها. هبت نسمة حاملةً عبير الأرْز البعيد، فعجبتُ: من أين لها بهذا العبير في أرض محروقة؟ ثم تذكرتُ. إنه عبير الذكرى. إنه شذى الأيام التي رحلت، والتي أراها الآن في سكون الليل كصورٍ ذهبية متلألئة، وكأنما الله قد أذن لي، في وهدة محنتي هذه، أن أزورها مرة أخرى.

أتذكر أيامي حين كان حُسْنُ مصاحبة الله يظلُّ خيمتي. كان برك -يا رب- على رأسي كالغمامة في يوم قائظ، وكان نعلك على عاتقي كتاجٍ من نور. كانت حكمتك تسكن عينيّ، فأنظر إلى الأمور كلها بنظرة الحق، وكان نور وجهك يملأ طريقي، حتى في الظلام الدامس كنت أمشي كمن يسير في رَنَفِ الظهيرة. أتذكر تلك الأيام وأنا في أوج قوتي، حين كان الشباب يتفجر في عروقي كنهر لا ينضب، وصحتي كالبلَّورة الصافية التي لا تشوبها شائبة. وكان أولادي حولي، كأغصان الزيتون الطرية تزين موائد بيتي. وكان لبن الماشية يفيض، وزيت المعاصر لا ينقطع.

وكان لي موضعٌ خاصٌ بين الناس. حين أخرج إلى الباب، إلى الساحة حيث يجتمع شيوخ المدينة والقضاة، كنتُ أرى الاحترام في عيونهم قبل أن تتحرك شفاههم بالتحية. كان الشبان يرتعدون ويختفون عند قدومي، وكأن صوت خطواتي يذكرهم بجَدِّيتهم. كان الشيوخ يقفون وقوف التلاميذ، ويصمتون حتى أتكلم. والأمراء أنفسهم كانوا يمسكون عن الكلام، ويضعون أيديهم على أفواههم، صامتين منتظرين. كانت أذن كل وليٍّ تَصْغِي لي، وتَعدُّ كلامي نعمة، وعين كل رئيسٍ ترنو إليَّ رجاءً. لأني كنتُ أنقذ البائس إذا استغاث، واليتيم الذي لا مُعينَ له. كانت بركة الهالك تنزل عليَّ، وقلب الأرملة يترنم بشكري. عدالةُ الحق كانت لباسي، والإنصافُ ردائي والعِمامة. كنتُ عيوناً للعمي، وأرجلاً للعرج. كنتُ أبا للفقراء، وقضيةَ الذي لا أعرفُهُ أتقصّاها وأتبينها. كنتُ أكسر نابَ الظالم، وأنتزع الفريسة من بين أسنانه.

وكانوا يقولون فيَّ: “في ظلِّ أيوب نعيش، ونحن مطمئنون”. وكنا نجلس معاً في الساحة، أنا والشيوخ، تحت ظلّ الدوحة العظيمة. كانوا يستمعون إليَّ كما يستمع الجياع إلى نداء المائدة. كان صمتي يُثقِلُ الأجواء حتى أتكلم، وإذا تكلمت لم يزيدوا على كلامي، وإذا توقفت كانت كلماتي تنْقطُ على أذهانهم كالندى، بل كالمطر الأخير على الأرض العطشى. كنتُ أبتسم لهم فكأني أمنحهم النصر على همومهم، ونور وجهي يشرق فيُذْهِبُ عنهم الكآبة. أختار طريق العدل فأمشي فيه، وأجلس كملك بين جيوشه، وكعازفٍ بين الجنود أُسَكِّنُ أحزانهم. كنتُ قائداً يسير أمامهم، وأجلس أيضاً كالمُعَزِّي بين النائحين.

أين تلك الأيام الآن؟ أين ذلك النور الذي ملأ طريقي؟ أين تلك الهيبة التي كانت تحفُّ بي كسياج من نار؟ ها أنا اليوم أجلس على الرماد، أَحكُّ قروحي بقطع من الخزف، وصار صراخي يرتفع كصوت الوَطْوَاط في الليل. يمُرُّ بي الصبي فلا يعرفني، وأولئك الشيوخ يبتعدون عني في الطريق. حتى كلاب قطيعي، التي كنتُ أحميها من الذئاب، لا تعرف صوتي اليوم. صرتُ أضحوكةً لأولاد الشوارع، وإذا رفعت صوتي بالاعتراض صاروا يسخرون مني علانية. يشمئز مني من كانوا يُقَبِّلون أطراف ردائي، والذين رأوا في وجهي نور الله قد أداروا وجوههم عني.

لكن الذكرى… الذكرى تبقى. تبقى كتلك الرائحة البعيدة للأرْز في صحراء مُحْرِقة. تبقى كصدى أغنية سمعتها في زمنٍ مضى، لم أعد أسمعها اليوم، لكني لا أستطيع إنكار أني سمعتها. هذا ما أحتفظ به في أعماقي، مثل الجمرة الخفية تحت الرماد. قد لا تكون ناري اليوم تضيء لأحد، ولكن هناك جمرة ما تزال تستذكر الله. وتستذكر زماناً كان يضيء فيه وجهه عليَّ، وأنا، في غمرة بركاته وعدله، كنتُ ظله على الأرض.

والبدر هناك، في سماء الليل الصافية، يشهد على ما أقول. يشهد على الماضي والحاضر. يشهد على العهد الذي لم أجد له تفسيراً في كافة أيام بؤسي. وأنا هنا، تحت هذا النور البارد، أتمسك بتلك الشهادة وحدها.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *