الكتاب المقدس

يوشيا وإعادة سفر الشريعة

كان يوشيا في الثامنة من عمره حين جلس على عرش آبائه في أورشليم. وكانت المدينة آنذاك كجسد نَسي روحه، تتقاذفها رياح العبادة الغريبة والنسيان. لكن في قلب الفتى الصغير نبض إيمانٌ موروث من داود الجد، إيمانٌ هادئٍ عنيد كجدول الماء تحت الصخر.

وكبر الفتى تحت سقف القصر الحجري، تنازعه همسات الخدم عن ممارسات أجداده المنحرفين، وصدى صلوات أمه الخفيّة في جناح النساء. وفي السنة الثانية عشرة من ملكه، بينما كان الربيع يُزيّن تلال يهوذا بأزهار اللوز، بدأ يبحث عن إله آبائه لا كطقسٍ موروث، بل كحقيقةٍ تتوق لها روحه. كانت خطواته الأولى في التطهير خجولة، كمن يزيح الغبار عن تمثال قديم في غرفة مظلمة. أمر بإزالة مذابح البعل من الأحياء الظليلة، وأعاد ترميم أبواب الهيكل التي صدأت مفاصلها من الإهمال.

لكن الإصلاح الحقيقي بدأ في سنه الثامنة عشرة، حين نضجت القناعة في صدره كالثمرة في وقت قطافها. أرسل كاتبه شافان إلى حلقيا الكاهن العظيم، ليس لطلب الفضة والذهب، بل لإعادة الحياة إلى ذلك المكان المقدس الذي صار مستودعًا للذكريات والنسيان. وكان العمال يحركون الحجارة، ويستبدلون الخشب المتآكل، ويحملون التراب من قدس الأقداس بصمتٍ مهيب، كأنهم يغسلون جسد أبٍ ميت.

وفي ظهيرة يومٍ حارٍ، حين كان الغبار المتطاير في فناء الهيكل يلتمع تحت أشعة الشمس، اقترب حلقيا من شافان بخطواتٍ ثقيلة. كان وجه الكاهن شاحبًا، وفي عينيه بريقٌ غريب. “وجدتُ سفر الشريعة في بيت الرب” قالها بصوتٍ مكتومٍ ارتجفت معه لحيته البيضاء. كان الدرج من ورق البردي قديمًا، هشًا كأجنحة الفراشة، ملفوفًا بقطعة كتانٍ متآكلة. حملاه كما يحملان طفلاً نائمًا إلى القصر.

وعندما قرأ شافان الكلمات أمام يوشيا، حدث شيءٌ عجيب. لم تكن مجرد كلماتٍ تُتلى، بل كانت صرخةٌ قادمة من عمق الزمن. كلمات التوراة، كلمات العهد والوصايا، كلمات اللعنة والبركة التي نسيها الشعب أجيالًا، اخترقت قلب الملك كسهمٍ من نار. مزّق ثيابه، تلك الإشارة القديمة للحزن التي لم يعد يعرفها كثيرون، وانهال في بكاءٍ صامتٍ هزّ كتفيه. “اذهبوا واسألوا الرب عني وعن الشعب”، أمرهم بصوتٍ مختنق، “لأن غضب الرب عظيم قد أشعل علينا بسبب ما تركه آباؤنا من كلمات هذا السفر”.

فذهبوا إلى خلدة النبية، التي كانت تقيم في القسم الثاني من المدينة، في بيتٍ بسيطٍ تفوح منه رائحة الزيتون والورق القديم. واستمعت العجوز الحكيمة، التي عاصرت حماقات ملوكٍ كثيرين، إلى رسالتهم بوجهٍ لا يخلو من حزنٍ عميق. ثم قالت كلماتها التي دوت كجرس الإنذار: “هكذا يقول الرب: ها أنا جالب شرًا على هذا المكان. لأنهم تركوني وأحرقوا بخورًا لآلهة أخرى. أما أنت، يا يوشيا، فلأن قلبك رقّ، ولأنك ذللت أمام الله، لن ترى عيناك كل الشر الذي أجلب على هذا المكان”.

عادت الرسالة إلى يوشيا فجمع كل الشعب، من كبيرهم إلى صغيرهم، في ساحة الهيكل الواسعة. ووقف على المنصة، والشمس تلقي بظلال طويلة على الوجوه المترقبة، وقرأ عليهم كل كلمات عهد الرب. وكانت قراءته ليست مجرد إعلان، بل كانت تجديدًا، كمن يغرس شجرة في أرضٍ جافة منذ زمن. وقطع العهد أمام الرب، ليسير وراءه وحده، ثم أمر بتطهير البلاد كلها من رجس الأصنام.

فانطلق رجاله إلى كل زاوية في مملكته. هدموا مذابح البعل تحت أشجار السنديان العتيقة، وأحرقوا تماثيل عشتاروت في وديان الأطراف، وسحقوا التماثيل في أفران الجير. حتى في مدن السامرة الشمالية، حيث لم يعد له سلطان سياسي، فعل كما فعل آباؤه الأتقياء من قبله. وأزال العرافين والمنجمين، وكل آثار عبادة الشمس والقمر والكواكب، حتى تلك المخبأة في دهاليز القصر نفسه.

وفي النهاية، احتفل بالفصح عيدًا لم يُرَ مثله منذ أيام صموئيل النبي. ذُبحت خرافٌ لا تحصى، ونُظّمت الفرَق الموسيقية، ورفع الكهنة واللاويون التراتيل القديمة التي كادت تنسى. ووقف الشعب يأكلون لحوم الذبائح، ووجوههم مضيئة بضوءٍ مختلف، ليس فقط نور النار، بل نور ذكرى عادت فجأة، كالنبع الذي ينفجر بعد سنوات من الجفاف.

ومات يوشيا في معركة مجيدو، كما تنبأت خلده. ودفنوه في قبور آبائه، وعاد الظلام ليتراكم على المملكة رويدًا رويدًا. لكن شيئًا ما بقي: ذلك الصدى الأخير للعهد، ذلك الذكرى القائلة بأنه حتى في أحلك أوقات النسيان، يمكن لكلمةٍ قديمةٍ ملفوفةٍ بقطعة كتان أن تشعل نارًا في قلب إنسان، فيغير مصير أمة، ولو لوقتٍ قصير. وكانت أيام يوشيا، كزهرة اللوز في تلال يهوذا، قصيرة جميلة، دليلاً على أن النعمة يمكن أن تزهر حتى على حافة الهاوية.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *