الكتاب المقدس

ندم داود وتوبة الملك

كان الليل في أورشليم باردا، يلف المدينةَ سكونٌ ثقيل، كأنما الحجارة نفسها تتحسس ثقل ما جرى. في غرفة عالية من القصر، لم يكن السرير الفاخر سوى مذلة لجسد متقلب. داود، الملك الذي هز عروش أعدائه، كان عاجزا عن هز شبح واحد يستقر في حنايا روحه.

لم يكن يرى في الظلمة سوى وجه أوريا الحثي، ذلك الوجه الهادئ الأمين، وقد تلألأت في عينيه الثقتان اللتان لا تعرفان الخيانة، قبل أن تطفأا إلى الأبد في معركة رتبها الملك نفسه. وكان يشم، رغم عبقة البخور الذي يملأ القصر، رائحة تراب بيت إيل، رائحة الفقر والبساطة حين كان راعيا، وقبل أن تلوث يداه بالدم البريء.

نهض من مضجعه، وكأن نارا تأكله من الداخل. مشى إلى الشرفة، فلفح وجهه هواءٌ قارس. نظر إلى المدينة النائمة تحت جنح النجوم، ولكن عينيه كانتا ترأيان بيتا في أسفل التل، بيتا أبيض الجدران، وحمامة انكسر جناحها. بتشابع. الاسم كان يجلجل في رأسه كجرس إنذار. كانت قد ولت، أرسلها بعيدا بعد أن طمأن نفسه بأنه أرضى الشرف المزيف. ولكن شرف من؟ دم أوريا كان ينادي من الأرض، كما ناداه دم هابيل.

كان يرتعش، ليس من برد الليل، بل من يقين داهمه: الخطيئة لم تكن في الفعل وحده، بل في ذلك القفر الذي اكتشفه فجأة في أعماقه. لقد أخطأ في حق أوريا، في حق بتشابع، في حق الجيش، في حق الله. ولكن الصدمة الحقيقية كانت اكتشافه أن قلبه، قلب من قيل عنه “حلو psalmist إسرائيل”، قادر على أن يخترع الشر بتفصيل، وينفذه بدم بارد. “هوذا في الإثم حُبل بي، وفي الخطيئة ولدتني أمي”. لم تكن هذه كلمات تعذيب، بل كانت بصيرة مروعة. لقد فهم، للمرة الأولى، أن المرض أعمق من الجرح، أن النبع نفسه معتل.

وبينما هو غارق في هذا المستنقع من اليأس، دق الباب بخفة. دخل ناثان النبي، لا بثيابه الرسمية، بل ببردائه البسيط، وعيناه تحملان حزنا عميقا وشفقة أعمق. لم يقل شيئا. لم يكن بحاجة للكلام. القصة التي روها من قبل، عن الحملة المسلوبة، كانت قد فعلت فعلتها. وقف الرجلان في صمت ثقيل، كأنما كل كلمة ستزيد الجرح اتساعا.

ثم سقط داود على ركبتيه، ولم تكن سقطة ملك، بل سقطة إنسان ممزق. لم يبكِ، فقد جفت الدموع من عينيه من فرط الألم. لكنه همس، وصوته كخرير ماء تحت الأرض: “اغسلني كثيرا من إثمي، ومن خطيتي طهرني”. لم يطلب العفو فحسب، بل الطهارة. كمن يرى ثيابه وقد تشبعت بالقذر، فلا يريد إزالة القذارة وحسب، بل يريد أن يُخلع عنه الثوب القديم بالكامل، ويُكسى ثوبا جديدا، ناصع البياض، لم يلمسه دنس.

كان ناثان يصغي، وأصابعه تعبث بحبات عجقه. ثم قال، بصوت هادئ كنسيم الفجر: “الرب ناقل عنك خطيتك. لن تموت”. لكن كلمات العفو، بدلا من أن تمنحه راحة، فتحت سدا كان يحبس فيضاناً من الخجل. “أعترف لك بخطيتي، وخطيتي أمامي في كل حين”. إن كان الله قد نسفه، فكيف ينسى هو؟ كيف يعيش ويحكم، وهو يحمل جثة خطيته في ذاكرته؟

أشار ناثان إلى رق من جلد على المنضدة. “أكتب”، قال. “أكتب هذا الألم. اكتب هذا الندم. اكتب هذا الرجاء الذي لا تفهمه بعد. اكتب صرختك، لتصير صلاة لكل من سقط مثلك، ولكنه لم يمتلك شجاعة الاعتراف”.

فأخذ داود القلم، وبدأت الكلمات تتدفق، لا ككلمات ملكية مصقولة، بل كأنين مكسور، وحوار مع ذاك الذي يعرف خفايا القلب. “قلبا نقيا اخلق في يا الله، وروحا مستقيما جدد في أحشائي”. لم يقل “أصلح”، بل قال “اخلق”. فالنقاء الذي فقده لم يكن إصلاحا لشيء قديم، بل كان خلقا جديدا. هو يطلب أن يعود جنينا في رحمة الله، ليعاد خلقه من جديد.

استمر القلم يتحرك، والليل يتنفس صعداء قبل الفجر. “لا تطرحني من قدام وجهك، وروح قدسك لا تنزعه مني”. كان الخوف الأكبر ليس الموت، بل النفي من الحضور. أن يحيا، لكن بعيدا عن ذلك النور الذي أدرك الآن أنه ينبوع حياته الحقيقية. ثم جاءت النظرة إلى المستقبل: “علمني يا الله طريقك، فأسير بالحق. اطرح خطيئتي بعيدة عني”. الطلب الأخير كان درسا في المشي من جديد، كطفل يتعلم خطواته الأولى بعد سقطة موجعة.

وعندما بدأت حمرة الفجر تلمع في الأفق، كانت القصيدة قد اكتملت. ناثان أخذ الرق، وقرأه بصمت. ثم رفع عينيه، وفيها بريق لم يكن موجودا من قبل. “انظر”، قال، “الدم الذي سال، لن يكون لعنة عليك، بل سيصير حبرا يكتب به المغفرة لأجيال لم تولد بعد. طلبت ألا تُطرح من وجهه، وهو يعدك الآن بأن يرد إليك بهجة خلاصه، لتعضدك روح من عل”.

خرج ناثان، وترك داود وحيدا مع الفجر الآتي. لم يعد يشعر بتلك النار التي كانت تأكله. كان هناك وجع، نعم، وجع عميق كندب في الجانب. لكن فيه نظافة، كنظافة الأرض بعد عاصفة شديدة. نظر إلى يديه، ذات اليدين اللتين خططتا للغدر. تذكر كلمات ناثان: “اذبح لله ذبيحة البر، ثم اتكل على الرب”. فهم المعنى. الذبيحة ليست ثورا ولا كبشا. الذبيحة هي الروح المنكسرة، القلب المنسحق. هذه هي القرابين التي لا ترفض.

تنهد، وتنهدته كانت أول كلمة في صلاة جديدة. التفت نحو المدينة التي بدأت تستيقظ. كان ثقلا على كاهله، لكنه لم يعد ثقل عار، بل ثقل نعمة ثقيلة كالذهب. سيقودهم، ليس كبطل بلا عيب، بل كرجل تعلم، في ليلة مظلمة من روحه، أن النور الوحيد الذي يستحق أن يتبعه، هو نور المغفرة التي لا تنضب. وكان في أذنيه، خافتا كصدى من بعيد، صوت أول تسبيحة تهمس بها شفتاه، بعد طول صمت: “يا رب، شفتاي تفتحان، فتفوه فمي بحمدك”.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *