الكتاب المقدس

سماء تروي وقلب يسمع

كانت الشمس تبدأ في الانحدار نحو حافة العالم، تاركةً خلفها سجادًا من النار الذهبية على كتف الجبل. جلس الراعي العجوز على صخرة ملساء، تلامس قدماه العاريتان تراب الأرض الدافئ. كان يحمل عصاه الخشبية بين ركبتيه، ويداه المتجعدتان تشبثان بها كما تشبثت بذاكرة السنين. نظر إلى السماء التي تمتد فوقه بلا نهاية، زرقاء عميقة تذوب في درجات اللون الأزرق الداكن عند الأفق.

كان صامتًا. لكن الكون من حوله لم يكن صامتًا أبدًا.

فها هي السماء، بكل هذا الاتساع المهيب، تحكي قصة المجد. وها هو الفلك، هذا القبة الهائلة المطرزة بالغيوم القطنية التي تحولت الآن إلى أرجوان وقرنفلي، يعلن عمل أصابع الخالق. كان كل يوم ينطق بكلمة، وكل ليلة يظهر علماً. لا كلام، ولا قول، ولا صوت يُسمع. لكن نبضها يتردد في كل مكان: في همسة الريح التي تعانق وجهه، في خرير الماء البعيد في الوادي، في زقزقة عصفورٍ أخير قبل حلول الليل.

رفع عينيه. كان يعرف هذه النجوم منذ كان فتى يرعى حملان أبيه. ها هي تبدأ بالظهور، واحدة تلو الأخرى، كنقاط فضية دقيقة تثقب ظلام القبة الآخذ في العمق. كل واحدة منها لها مسيرتها، تخرج من مخدعها في الشرق، تجري في فرح عبر قبة السماء، ولا تختبئ من حراسة الشمس الأخرى التي تشرق هناك، بعيدًا، حيث لا ترى عيناه. مدارها من هناك إلى هناك، ولا شيء يخفي حرها. كان يتنهد، شعورًا بالرهبة يملأ صدره. هذا النظام، هذه الجمالية، هذه القوة الهادئة… كانت قانونًا غير مكتوب، ناموسًا للكون، وضعته يد حكيمة.

ثم أدار وجهه بعيدًا عن السماء، نحو جراب جلدي بسيط معلق على جانب كتفه. أخرج منه درجتين من الرق، مكتوبتين بخط يد جده. كانت كلمات أخرى، كلمات منقوشة ليست بنجوم، لكنها كالنجوم تنير. ناموس الرب، كاملٌ، يرد النفس. شهادة الرب، أمينة، تعطي الحمقى حكمة. وصايا الرب، مستقيمة، تفرح القلب. وصية الرب، طاهرة، تنير العينين.

تذكر كيف كانت هذه الكلمات تشع في ظلمة حياته كما تشع الشمس في الظهيرة. كيف كانت تصلح ما انكسر فيه، وتعيد البهجة إلى روحٍ أظلمتها الخيبات. كانت أثمن من الذهب، أحلى من العسل الذي يجره من خلية النحل البري في الصخور. بها يحذر عبده، وفي حفظها ثواب عظيم.

أطرق الرجل برأسه، وهمس في الظلمة الآخذة في الاكتساح: “من يدرك أخطاءه؟ طهرني من الخطايا الخفية.” كان يعرف أن الشمس التي تسجد غدًا في الشرق ستشهد عليه، وأن النجوم التي تحرس الليل تعرف خفايا قلبه. لكن الكلمات على الرقم، كلمات الرب الحي، كانت رجاءه. كانت تصرخ من أعماقه، كما كانت السماوات تصرخ بمجد صانعها.

“ليكن كلام فمي وفكر قلبي مرضيين أمامك، يا رب، صخرتي ووليي.”

جلس في صمت أطول، بينما كان الظلام يكتمل وتلمع كل النجوم في المجرة كسرب من النيران البعيدة. لم تعد هناك حاجة للكلام. فالسماوات تروي، والناموس يرشد، والقلب المنكسر يرفع صلاة صامتة. وكان الرب، في جلال صمته الذي يتكلم من خلال الخليقة والكلمة، حاضرًا. حاضرًا في البرودة التي بدأت تنزل على الأرض، وفي النور الأخير الذي تمسك به الأفق الغربي، وفي السلام العميق الذي استقر في قلب الراعي، تحت سماء تروي مجد الله، وفوق أرض تستمع.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *