كان النهر يتدفق بهدوء عند أطراف القرية، يحمل في جريانه أسرار الزمن وأحلام الناس. في بيت من طين بجوار السوق القديم، جلس الشيخ إلياس على مصطبة خشبية قديمة، تلمع عيناه في وجوه الذين يأتون إليه. لم يكن حاكمًا، ولا غنيًا، لكنه كان كشجرة غرسها الرب عند مجرى المياه، تعطي ثمرها في أوانه.
في تلك الأيام، كان الحاكم الجديد، نوفل، قد أتى من المدينة. بنى لنفسه قصرًا عالي الأسوار، وأحاط نفسه بفرسان يصرخون في الشوارع ليُفسح لهم الطريق. قال الناس فيما بينهم: “الرجل الكثير التوبيخ يقسو عنقه، فإذا انكسر فلا إصلاح له”. وكان نوفل لا يحتمل مشورة، ولا يصغي إلى صوت حكمة.
في أحد أيام الخريف، عندما كان الضباب يعلو الحقول، جاءت إلى الشيخ إلياس امرأة اسمها ليلى، عيناها حمراوان من السهر. زوجها، خالد، كان من رجال الحاكم، وقد بدأ يسلك طريق الظلم. كان يأخذ من الفلاحين أكثر من حق الحاكم، ويضغط على الضعفاء حتى يخرجوا آخر قروشهم. قالت ليلى وهي تمسك بطرف ثوبها: “يا عمي، لقد صار بيته كجحيم، لا أسمع فيه إلا صوت الصراخ والشجار. حتى أولادي يخافون منه”.
أمال الشيخ رأسه، ثم نظر إلى النهر الذي كان يحمل أوراق الشجر الذابلة. قال: “الحاكم الذي يفهم كلام الشعب يثبت إلى الأبد. لكن الذي يغلق أذنيه عن صراخ المسكين، سيصرخ هو أيضًا ولا يُجاب”. لم تكن كلماته صرخة، بل كانت كالماء البطيء الذي ينحت الصخر.
لم تسمع ليلى فقط، بل سمعت أيضًا جارة لها، وهي امرأة من الفقراء، كان خالد قد أخذ منها دينارًا زيادة على الضريبة. ذهبت المرأة وروت لزوجها، فثار الرجل في السوق وقال كلامًا ضد الحاكم ونوفل. في الليل، أتى حراس الحاكم وضربوه أمام عينيه، ثم أخذوه إلى السجن. في الصباح، سمعت القرية كلها بالخبر، وامتلأت القلوب رعبًا.
ولكن حدث شيء غريب. الطفل الصغير، ابن الخباز، واسمه مازن، كان يلعب قرب سجن القرية القديم. رأى السجين من نافذة صغيرة، ساقاه مكبلتان بالحديد. عاد مازن إلى أمه وقال: “ماما، هناك رجل يبكي في الظلام”. سألته: “هل تعرفه؟” قال: “لا، لكنه يشبه أبي عندما تأخذه الحمى”. خرجت كلمات الطفل كالطير الصغير، طارت من بيت إلى بيت.
بدأ الناس يتهامسون. ليس خوفًا هذه المرة، بل شيء أشبه بالحزن الممزوج بالغضب. “الظلم يزيد الخطاة، والصديقون يرون سقوطهم”. حتى بعض رجال الحاكم نوفل بدأوا يتحدثون في السر: “ماذا نستفيد؟ إذا سقط الحاكم، نسقط معه”.
وفي قصر الحاكم، كان نوفل يجلس في قاعة مليئة بالسجاد الفاخر، لكنه كان يشعر بالبرد. رجاله كانوا يبتسمون له، لكنه رأى في عيونهم اللامعة شيئًا أشبه بالتربص. أحس أنه محاط بمراءين، كما أن الأسد الجائع محاط بقطعان الضباع التي تنتظر سقطته. “الإنسان المرائي يهيج الفتنة، والذي يوسع شفتيه يهلك”. حاول أن يشرب النبيذ ليدفئ قلبه، لكن طعمه كان كالعلقم.
في تلك الليلة، هبت عاصفة قوية، كأن السماء تئن من ثقل. هطل المطر بغزارة، والرياح صفرت حول أبراج القصر. سمع نوفل صوتًا يشبه البكاء من بعيد، فتذكر امرأة كانت قد جاءت إليه تطلب إنصافًا في ابنها، فأمر بطردها. لماذا تذكرها الآن؟ كان قلبه كحجر، لكن حتى الحجر يتشقق مع الزمن.
في الصباح، جاءه رسول من المدينة الكبرى يحمل رسالة مختومة. لقد سمع الحاكم الأعلى بتجاوزاته. كانت الكلمات جافة وقاسية. عندها، أدرك نوفل معنى القول: “الرجل المتكل على فهمه هو جاهل، والذي يسلك بالحكمة ينجو”. لقد ظن أن القوة وحدها تكفي، فنسي أن العدل هو أساس الملك.
خرج من القصر، يمشي في طرق القرية وحيدًا. رأى الأطفال يلعبون عند النهر، ورأى الشيخ إلياس يجلس على مصطبته، يقرأ في كتاب قديم. توقف نوفل، لم يقل شيئًا. لكن الشيخ رفع رأسه ونظر إليه نظرة طويلة، ثم قال كلمتين فقط: “الخوف الإنساني يضع شركًا، لكن المتكل على الرب يحفظ”. لم تكن عتابًا، بل كانت كالرماد الذي يذكر بالنار التي أحرقت كل شيء.
لم يعد نوفل إلى القصر بنفس الكبرياء. بدأ يسمع، ليس فقط بأذنيه، بل بقلبه. أطلق السجين، ورد المظالم، وجلس مع شيوخ القرية. تعلم أن “الحاكم الذي يقضي للفقر بالحق، كرسيه يثبت إلى الأبد”. تغيرت أحوال القرية، ليس بين ليلة وضحاها، بل كالنبات الذي ينمو ببطء.
أما خالد، زوج ليلى، فبعد أن رأى سقوط سيده الأول، اختلى بنفسه أيامًا. ثم جاء إلى الشيخ إلياس في يوم ممطر. قال: “علمني كيف أمشي”. فأجابه الشيخ: “الطريق واضح. من يربى ابنه بالتوبيخ يريحه، ويجد لذة في نفسه”. بدأ خالد يصحب أولاده إلى الحقل، يعلمهم زراعة الأرض، ويسمع لهم كما لم يسمع من قبل. بيته الذي كان جحيمًا، صار تُسمع فيه ضحكات الأطفال.
والشيخ إلياس؟ بقي على مصطبته، يشاهد النهر يجري. يعلم أن الحكمة ليست في الكتب وحدها، بل في الحياة التي تتقبل التوبيخ، وفي القلب الذي يخشى الرب، وفي العدل الذي يبني ولا يهدم. والأيام تتوالى، والشمس تشرق على الصالح والطالح، لكن نور الحكمة يهدي الخطوات في الدرب الوعر، درب الإنسان على هذه الأرض.




