كان الجو في أورشليم ذلك الصباح ثقيلاً كرداء من الصوف الخشن. لا ريح تُحرِّك أوراق الزيتون في السهل، ولا سحابة تخفف من لسع شمس تموز. جلست في ظلِّ شجرة تين متخشبة، وأنا أفرك بين أصابعي حبراً جافاً على رقٍ قديم، حين أتى إليَّ إشعياء.
لم يأتِ كعادته مُسرعاً، نارٌ في عينيه وكتابٌ في يده. بل جاء وكأنه يحمل سراً وزنُهُ أخفُّ من الريح وأثقلُ من الجبال. جلس بجواري دون كلام، ونظر نحو الأفق حيث تذوب المدينة في وهج الضحى. ثم قال، وصوته كخرير ماء تحت الأرض:
“اسمع. اسمع جيداً.”
فأمسكت قلماً ورُقَّةً جديدة، وعرفت أنَّ كلام الربِّ قادم.
“هوذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سُرَّت به نفسي. وضعت روحي عليه، فيُخرج الحق للأمم.”
توقفت يدي فوق الرق. كلمات تُقال كالنسمة، لكنَّها تُنقش كالحديد في الصخر. سألته: “أي عبدٍ هذا، يا معلِّمي؟ ملكٌ قادم؟ كاهنٌ عظيم؟”
هزَّ رأسه، وابتسم ابتسامةً حزينةً عريضة. “لا. ليس بصريخ، ولا برفع صوته في الشوارع. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفَتيلة خامدة لا يُطفئ.”
نظرت حولي. المدينة كانت تعجُّ بالصراخ: صراخ الباعة، صراخ الجند، صراخ المتعصبين في الهيكل. الجميع يصرخون. والربُّ يختار من لا يرفع صوته؟ كتَبتُ الكلمات، وشعرت وكأنَّ الحبر نفسه يتصبَّب بِرِقَّةٍ غير معهودة.
“إلى الأبد يحفظ الحق، لا يكلُّ ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض، وتنتظر الجزائر شريعته.”
رفع إشعياء عينيه نحو السماء الزرقاء العميقة. “هكذا يقول الله الرب، خالق السماوات وناشرها، باسط الأرض ونتائجها، مُعطي الشعب عليها نَسَماً، والسالكين فيها روحاً.”
كان هدوئه يُخيفني. كأنَّ كلَّ عاصفة العالم تتجمَّع في صمته. ثم واصل، وكأنه يصف شخصاً يراه أمامه بوضوح:
“أنا الرب، هذه اسمي. ومجدي لا أعطيه لآخر، ولا تسبيحي للمنحوتات. هوذا الأوليات قد أتت، والحديثات أنا مخبر بها. قبل أن تنبت أُخبركم بها.”
سألته وأنا أحاول فهم مدى هذا الوعد: “هل هو نبيٌ مثلنا؟”
أجابني بعد تفكير طويل: “هو أكثر من نبي، وأقلُّ من نبي في عيون الناس. سيفتح عيون العمي، يُخرج المسجونين من الحبس، الجالسين في الظلمة من السجن. لن ينسى أحداً. حتى أولئك الذين يُسمُّونهم ‘شعب الخيال‘، أولئك الذين يقولون عنهم إنَّهم خارج رحمته.”
تخيلتُ وجهه للحظة. لم أستطع أن أراه ملكاً بدرعٍ ذهبي. بل رأيت رجلاً يسير على طرق ترابية، يلمس من لا يلمسهم أحد، يكلِّم من لا يسمعهم أحد. عبدٌ. لكنَّه عبدٌ تحلُّ عليه روحُ الربِّ ذاتها التي حَلَّت على موسى عند البحر، وعلى داود وهو يرعى الغنم.
“أما أنتِ يا أورشليم، يا صمَّاء، يا عمياء!” تغيَّر صوت إشعياء فجأة، وصار كصوت رعد بعيد. “أنظرِ استماعي كثيراً، وعيونك غير باصرة. أغشي عيونك عن الرؤية، وقلبك الغليظ عن الفهم.”
ارتعد قلبي. كان يتكلم الآن عنا، عن شعبه العنيد. عن الذين رأوا كلَّ شيء ولم يفهموا شيئاً. “وأنتِ لم تسمعي، بل أصررتِ على التمرد منذ الولادة.”
ثم هبط صوته مرة أخرى، كمن يُناجي طفلاً نائماً. “من أجل اسمي أمهلُ غضبي، ومن أجل فخري أَكُفُّ عن إفنائك. ها قد جربتك في أتون الضيق. كنتُ أستطيع أن أبدِّدك كالقش في الريح. لكنَّ عبدي هذا… سيكون عهداً للشعب، ونوراً للأمم.”
سكت. وكان السكوت أعظم من كلِّ الكلام. لم تعد الشمس لاسعة، بل صارت كقرص من ذهب رقيق يغسل وجه الأرض بالرحمة. حتى حفيف الشجر المجاور بدا وكأنه همسٌ من عالم آخر.
كتبتُ آخر الكلمات: “ليسبح الربُّ تسبحة جديدة، من أقصى الأرض. لترفع البرية والمدن صوتها، لتصيح قرى قيدار. ليهتف سكان سالع من رؤوس الجبال.”
رفع إشعياء يديه وكأنه يبارك الأفق كله: من أورشليم إلى أقاصي الأرض التي لا نعرفها. ثم نهض، ومشى بعيداً، وتركني مع الرقِّ والحبر، ومع وعدٍ كان أكبر من كلِّ فهمي.
بقيت جالساً حتى أظلَّ المساء. وكتبت على هامش الرق، بخطٍّ صغير ارتعشت فيه يدي: “كيف يكون العبد هو الملك؟ وكيف يكون الصامت هو الكلمة؟ وكيف يخرج النور من ظلمة السجن؟”
لم أعرف الإجابة тогда. لكنَّ الكلمات كانت قد نُقشت. وكان الربُّ قد قالها. وكان الزمن كله، من تلك اللحظة فصاعداً، ينتظر تحقيقها.




