كان الجوّ قائظاً في أورشليم ذلك الصيف، كأنّ السماء نفسها قد تحوّلت إلى فرن من نحاس. لم تأتِ نسمة تُذكر، حتى أن أوراق الزيتون في السهل كانت تتدلّى بثقل، مغبرّة وصامتة. وفي زاوية من زوايا السور، حيث يلتقي ظلّ الحجارة بوهج الشمس الحارق، جلس حنانيًا الكاتب، يحاول أن يستعيد أنفاسه بعد صعودٍ طويل من الوادي.
كانت المدينة تبدو من هذه العلّية كخلية نحلٍ مضطربة. أصوات الباعة المتشاحنين، وصراخ الأطفال، ورائحة البخور الكثيفة الآتية من الهيكل، تختلط مع غبار الطرقات ورائحة عرق الجموع. ولكن تحت هذه الضجّة، كان حنانيًا يشعر بشيء آخر: صمتٌ غريب، ثقيل، كالسكون الذي يسبق العاصفة. كان يعرف، كما يعرف كثيرون في قلوبهم ولكنهم لا يلفظون، أن شيئاً ما قد انكسر. لم تكن مجرد هزائم متفرقة أمام الجيوش التي تزحف من الشمال، بل كان شيئاً في الهواء، في النظرات المتبادلة بين الناس، في نبرة صوت الكاهن عندما يرتل المزامير.
تذكّر كلمات إرميا، ذلك النبيّ الكئيب الذي كان كثيرون يتجنّبون مروره في الأزقة. كان يقول أشياء تثير القشعريرة: “أصعد إلى جلعاد وخذ مرّاً، يا ابنة شعبي!”. لم يكن حنانيًا من الملتفتين إليه في البداية، فكلامه كان قاسياً، يخدش مشاعر الوطنيّة الجريحة. ولكن مع الأيام، بدأت كلماته تتردّد في رأسه كجرس إنذارٍ بليد.
سمع ذات يوم إرميا وهو يتحدّث إلى مجموعة من شيوخ المدينة عند باب السور. لم يكن صوته عالياً، بل كان كهمسٍ متعب، لكنه اخترق ضجيج السوق: “يقول الرب: لماذا يرجع هذا الشعب رجوعاً دائماً إلى الخيانة؟ تمسّكوا بالغشّ وأبوا أن يرجعوا. أصغيتُ وأسمعتُ، فلم يتكلّموا بكلمٍ مستقيمٍ. لا أحد نادمٌ على شرّه قائلاً: ‘ماذا فعلت؟!'”. وقف حنانيًا متوارياً خلف عمود، وشاهد وجوه الشيوخ، فلم يرَ فيها انزعاجاً، بل ضيقاً ومللاً، كما لو كان النبيّ مجرد ذبابة مزعجة تطنّ حول آذانهم.
وها هي المواسم تمرّ. الحصاد بعد الحصاد. ولكن الخوف ينمو كالعشب الخبيث بين الحجارة. جاءت أخبار عن مدن سقطت في الشمال، عن أناسٍ هُرِّبوا أو قُتلوا. وفي المدينة، بدأت طقوسٌ غريبة. رآهم بعينيه ذات ليلة، من نفس هذه العلّية، جماعات تتسلّل إلى وادي هنوم، إلى “توفة”، حيث أشعلوا نيراناً غريبة تكاد تحرَق ألسنتها السماء. كانوا يقدمون قرابين لمولك، آلهة العمونيين، ظنّاً منهم أنها قد تنقذهم. ورأى حنانيًا، بقلبٍ متّسع الرعب، أن حتى الكهنة، حرّاس الشريعة، قد أغضوا الطرف، بل وشارك بعضهم سراً، خوفاً من الغضب الشعبي ورغبةً في استرضاء كلّ قوّة قد تنفعهم.
في تلك اللحظة، فهم كلمة إرميا التي كان قد سمعها: “من الحكمة أن يخزوا من ارتكابهم الرجس؟!”. لقد فقدوا حتى إحساس الخزي. كانت الخطيئة قد استحالت عادةً، والعادة عمى. كانوا كالحصان المسرع في المعركة، يندفع بجنون نحو الهاوية، ولا يعود بالإمكان كبح جماحه.
وجاء يوم الخريف الذي لن ينساه. كان رائحاً إلى الأرشيف الملكي، حين سمع جلبةً هائلة قرب بوابة المدينة. اندفع مع الحشود. كان المنظر مريعاً. جثث جنودٍ مبعثرة على عربات، بعضها محترق، بعضها مقطّوع الأوصال. ووسط الصمت المشدوه، صعد رجلٌ عجوز، أحد الناجين، على صخرة. كانت عيناه جاحظتين من الذهول، وكلماته تخرج متقطعة: “لقد هُزِمنا… دمروا المخيم… لا شيء يوقفهم…”. ثم نظر نحو الهيكل على التلة، وقال بعبارةٍ غريبة علقت في ذهن حنانيًا للأبد: “حصادنا قد فات، خلّصنا، ولكن خلاص لم يأتِ”.
في تلك الليلة، لم يستطع حنانيًا النوم. كلمات إرميا تدور في رأسه كسهام نار: “هل ليس بلسان في جلعاد؟ أو ليس هناك طبيب؟ فلماذا لم تُضمد ابنة شعبي جراحها؟”. لقد كان الطبيب موجوداً، هو الناموس، هو عهد الرب، هو صوت النبيين. ولكنهم رفضوا الدواء. لقد فضّلوا الكذب المريح على الحقّ المؤلم. لقد قالوا “سلام سلام”، ولا سلام.
نظر من نافذته نحو الهيكل، المضاء بمصابيح الذهب، يلمع في الظلمة كتاجٍ من نور. ولكن النور بدا له الآن بارداً، معزولاً، كأنه شاهد على غيابٍ ما. ثم خطرت له صورة أخرى، كلمة النبيّ الأخيرة التي سمعها منه: “لقد جمعتهم، يقول الرب، ولا عنب على الكرمة ولا تين على التينة، وقد سقط الورق”.
استدار حنانيًا عن النافذة، وانتزع قطعة من ورق البردي، وبدأ يكتب بيد مرتعشة. لم يكن يكتب تقريراً للملك، ولا سجلاً للأحداث. كان يكتب اعترافاً، صلاةً بلا كلمات منظومة، صرخة في ظلمة روحه. لأنه أدرك، في صمت تلك الليلة الثقيل، أن الدينونة ليست مجرد جيوش غازية، بل هي هذا الصمت الإلهي المهيب. هو ذبول النعمة. هو السماح للقلب القاسي أن يجني مرارة اختياراته. وكتب في الأسفل، دون أن يدري لماذا، العبارة التي كانت تطنّ في أذنه: “لماذا نحن جالسون؟ اجتمعوا فلندخل المدن المحصّنة ونصمت هناك، لأن الرب إلهنا قد أخرسنا”.




