كان الجوّ غباراً وحديداً. كانت رامة، التي ارتقت تلاً متواضعاً في أرض بنيامين، تعجّ بزحمة لم تعهدها من قبل: زحمة المهزومين. رائحة العرق والخوف والتراب اليابس تفوح في الهواء الراكد حيث وقف إرميا، وحيداً بين الجمع، والسلاسل الثقيلة تثقل معصميه الناحلين. كان يرى من مكانه أرتالاً لا تنتهي من رجال يهوذا ونسائها وأطفالها، عيونهم جامحة أو خاوية، وهم يُساقون كالقطعان نحو الشمال المجهول. صراخ أمّ افترق عنها وليدها، حشرجة شيخ يعجز عن المشك، صمت القنوط الذي يفوق الضجيج. كان مشهد السبي يتجسد أمامه، وكان قلبه يتمزق إرباً.
لم يكن يعلم أن مصيره سينقلب في تلك اللحظة بالذات. جاء إليه نبوخذراصر، رئيس الشرط البابلي، بجسده المدرع وصوته الغليظ الذي قطع ضجيج المكان. لكن ما قاله لم يكن أمراً، بل كان سؤالاً، بل كان اعترافاً. “الرب إلهك قد نطق بهذا الشر على هذا الموضع، فقدّمه وجاء الربّ وفعل كما تكلم، لأنكم أخطأتم إليه ولم تسمعوا لصوته.”
كانت الكلمات كالماء البارد على جمرات الروح. في فم جندي وثني، تتحقق النبوة وتُعترَف بالعدل الإلهي. ثم جاء الاختيار الذي لم يطلبه: “أنظر، قد حَللتُك اليوم من القيود التي على يديك. إن حسن في عينيك أن تأتي معي إلى بابل فهلمّ، وأنا أُعنى بك. وإن ساء في عينيك أن تأتي معي إلى بابل فكفّ. انظر، كل الأرض قدامك. حيث يحسن ويرتضي في عينيك أن تذهب فاذهب.”
وقف إرميا، حرّ اليدين، مثقلاً بثقل الحرية. نظر حوله: إلى الشمال، حيث بابل وصرحها وزخرفها وأسرارها، حيث يمكن أن يكون نبيّاً معزياً بين المسبيين. وإلى الجنوب، حيث أرض يهوذا المدمرة، المدن المحروقة، الهيكل المُدنس، والذكريات المليئة بالجراح. اختار الجنوب. اختار الرماد. اختار البقية الباقية.
سار على الطريق الوعر المؤدي إلى المُصفاة، مدينة شاؤول القديمة. وهناك، وجد مفاجأة أخرى. لقد أقام البابليون، في حكمتهم الغريبة، حاكماً من الدم الملكي نفسه على من تبقى. كان جدليا بن أخيقام، رجلاً مستقيماً وذا سمعة طيبة، قد جمع حوله ما تبقى من قادة الجيوش المنهزمة وجنودها المشتتين، والفلاحين الفقراء الذين تشبثوا بأرضهم كالسنابل بعد الحصاد. استقبل جدليا إرميا بترحاب وكسر الخبز معه، وعيناه تكشفان عن إرهاق عميق وأمل هش.
“انظروا”، قال جدليا للجميع في دار الحكم البسيطة بالمصفاة، وقد اجتمع حوله رجال مثل يوحانان بن قاريح ويازنيا، وجوههم محفورة بالشمس والحرب. “لا تخافوا من عبيد الكلدانيين. اثبتوا في الأرض واخدموا ملك بابل فيحسن إليكم. أنا أبقى هنا معكم لأقف أمام الكلدانيين الذين يأتون إلينا. أما أنتم فاجمعوا خمراً وثمراً صيفياً وزيتاً واجعلوها في آنيتكم واسكنوا في المدن التي أخذتموها.”
كانت خطة عملية، واقعية، تتنفس روح البقاء. وبدأت الحياة، بشق الأنفس، تعود. من كل نواحي يهوذا، بل من موآب وعمون وأدوم، جاء اليهود الذين كانوا قد فرّوا أو تشتتوا، وجمعوا من كرومهم وحقولهم ما استطاعوا. كانت رائحة العنب المعصور في المعاصر البدائية تفوح في أودية يهوذا، مختلطة برائحة الرماد الباقية. كان هناك سلام، سلام المهزومين، لكنه سلام.
لكن في ظل هذا السلام الجديد، كانت الأفاعي تتحرك في الخفاء. جاء إلى جدليا رجال يحملون الهمس في أقوالهم والقتل في قلوبهم. جاء يوحانان، الرجل الحازم، محذراً إياه من إسماعيل بن نثنيا، الذي كان من نسل الملوك ولم يرق له أن يحكم رجل مثل جدليا، ولو بتفويض بابلي. “لا تثق به”، قال يوحانان وعيناه تشعان بإخلاص القلق. “إنه يريد قتلك، ليجذب كل الجمهور إليك.”
لكن جدليا، الرجل المستقيم، أبى أن يصدق. كان يرغب في السلام، في المصالحة، في بناء ما تهدّم. كيف له أن يبني إذا كان أساس بنائه الريبة والقتل؟ رفض التحذير. “أنت تقول كذباً على إسماعيل”، أجابه بلطف صامت.
وفي يوم من أيام الخريف، حين كان الجو معتدلاً والشمس ذهبية، جاء إسماعيل ومعه عشرة رجال إلى المصفاة. دعاهم جدليا إلى وليمة، كعادته في كرمه الذي قد يصل إلى السذاجة. جلسوا يأكلون الخبز معاً، وفي قلب الوليمة، وفي لحظة انكسار الثقة الإنسانية الأكثر قدسية، قام إسماعيل والرجال الذين معه وضربوا جدليا بن أخيقام فقتلوه. وقتلوا كل اليهود والكلدانيين الجنود الذين كانوا معه في المُصفاة.
هكذا سقط آخر بارقة أمل. هكذا اختلط دم الرجل الصالح بدم الخبز والخمر على الموائد. وعاد الخوف، عاد الفزع، ليملأ الفراغ الذي تركه رصاصة الغدر. وبدأ الفصل الجديد من المأساة، حيث سيتحول البقية الباقية، مرة أخرى، إلى مشردين خائفين، يحملون معهم جرح الخيانة وعبء أرض صارت أكبر من أن تحتمل. وكان إرميا، النبي العجوز، شاهداً على كل ذلك، تائه الروح بين عدل الله الذي تمّ ورحمته التي تبدو كأنها تتراجع خلف سحب من دخان ورماد.




