الكتاب المقدس

الكرمة العقيمة والمصير المحتوم

كان الغبار يتطاير في شعاع الشمس الضيق النافذ من كوة العلية، حيث جلس أشمون يعيد الحياة إلى جذع كرمة قديم. كانت يداه، المتشبعتان بخطوط الطين والزمن، تتحسسان عقد الخشب الجاف. لم تكن هذه الكرمة من تلك التي تثقلها عناقيد السهول الخصيبة، بل كانت فرعاً متشعباً قبيحاً، جيء به من أطراف البستان حيث تنمو الأشواك. قال له صاحب البستان وهو يدفع إليه قطعة الفضة: “هذا كل ما فيه. لم يثمر إلا حنظلاً مرة، وشوكه أكثر من أوراقه”.

أخذ أشمون يقلب الفرع بين يديه. كان الخشب ملتوياً، مليئاً بالعقد، قاسياً بطريقة غير مفيدة. فكر في تحويله إلى وتد لخزانة، لكن الخشب كان هشاً من الداخل. حاول أن يتخيله مقبضاً لمحراث، لكن تشعباته جعلته عقيماً لهذا الغرض. حتى كسارة الزيتون لا تصلح له، فليونته سطحية تخفي داخلها انكساراً مزمناً. جلست الشمس تتقدم في الغرفة، والغبار يرقص في ضوئها، والفرع بقي بين يديه كسؤال بلا جواب.

تذكر أشمون، دون سبب واضح، أيام الطفولة في السهل. كان جده، رجل الله الورع، يقرأ من درج قديم بصوت يهتز مثل أوتار العود: “وَهُوَذَا كَانَتْ لِي كَلِمَةُ الرَّبِّ قَائِلَةً: يَا ابْنَ آدَم، مَا أَفْضَلَ الْكَرْمَةِ عَلَى كُلِّ خَشَبِ الأَغْصَانِ الَّتِي بَيْنَ أَغْصَانِ الْوَعْرِ؟” كانت الكلمات تتردد في أذنه الآن كما كانت تتردد في بيت الطين البارد. كان الجد يشرح بأن الكرمة، إذا لم تثمر، لا تصبح حتى كالعرعر أو البطم الذي يصنع منه الأثاث أو العوارض. إنها تصير لغواً في يد النجار، لا تصلح إلا لأن تطرح في النار فتأكلها اللهب.

نظر أشمون إلى الفرع الذي بين يديه. لم يكن خشباً قوياً كالبلوط ليصنع منه باباً، ولا مرناً كالخيزران ليكون سقفاً. لم يكن جميلاً كأرز لبنان لينحت منه تمثالاً. كان مجرد… كرمة. وكرمة مجدبة. أحسَّ بثقل السخرة في تقويم ما لا يستقيم، وفي إصلاح ما انكسر من أساسه.

خرج من العلية في وقت العصر، حين يكون الظل طويلاً والضوء ذهبياً كثيفاً. حمل الفرع معه، وسار به إلى طرف القرية حيث تلتحم البيوت بأرض البور. هناك، حيث يلقي الناس ما لا فائدة منه، رفع يده وأطلق الفرع ليقع على كومة من القصيب اليابس وأغصان الزيتون المقطوعة. وقف للحظة، يتأمل المشهد. التقت عيناه بحطاب عجوز كان يجمع الحطب لفصل الشتاء. أومأ الحطاب رأسه بفهم صامت، كما لو كان يعرف قصة كل غصن يلقى هناك.

عاد أشمون إلى بيته وفي صدره شيء من الفراغ، وذاكرة النار التي ستأكل كل ما لا يصلح لشيء. كانت الشمس تميل للمغيب، صبغت الحيطان الطينية بلون الدم القديم. في الداخل، على منضدة العمل، كان هناك كتلة من طين النهر الخصبة، تنتظر أن تتشكل على دولاب الخزاف. أدار الدولاب بقدمه، وبلل يديه، وأحسَّ بالطين البارد الحي ينزلق بين أصابعه. هنا، في المادة الأولى، في القدرة على التشكل، في احتمال أن تصير إبريقاً أو جرة أو مصباحاً، هنا يكمن المعنى. أما الكرمة العقيمة، فمصيرها أن تذكرنا فقط بأن كل فرع لا يحمل ثمراً، سيُقطع ويُلقى في النار.

وأدرك في سكون ذلك المساء، أن النبوة لم تكن عن أشجار الغاب وحسب، بل عن كل قلبٍ جعل نفسه كالكرمة التي لا تصلح حتى لصنع وتد صغير.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *