رأى زكريا تلك الرؤيا في وقتٍ كان الضباب الخفيف ينسحب من بين أشجار الزيتون على تلال أورشليم. كان الهواء بارداً، يحمل رائحة التراب البلسم بعد سقوط أمطار خفيفة في الليل. لم تكن الرؤيا كسابقاتها، بل اقتربت منه كحضور ملموس. وقف هناك، في الموضع الذي كانت فيه أبنية المدينة ما تزال أطلالاً في معظمها، ورأى رجلاً وفي يده حبل قياس.
كان الرجل يبدو وكأن نور الصباح يتجسد فيه، ليس باهتاً بل دافئاً، مثل ذهب قديم. سمع زكريا صوتاً، لكنه لم يرِ من يتكلم. كان الصوت كخرير ماء بعيد، واضحاً وثابتاً. “انطلق، كلم ذلك الشاب”، قال الصوت. فنظر زكريا إلى الرجل ذي الحبل وهو يهمّ بقياس طول المدينة وعرضها، ليحدد أسوارها.
تقدم زكريا وكلمه. “أين تذهب بهذا القياس؟”
أجاب الرجل، ونبرته تحمل دهشة كمن وجد أمراً عجيباً. “أقيس أورشليم، لأعرف عرضها وطولها. فالرب أمر ببنائها من جديد، فأسوارها يجب أن تكون قوية وحصينة.”
قبل أن يتمكن زكريا من الرد، إذا بالملاك الذي كان يكلمه من قبل يقترب، ويأمر الشاب بالتوقف. “اهرب، قل لهذا الشاب: ستكون أورشليم قرية بلا أسوار، من كثرة الناس والمواشي فيها.”
توقف زكريا، وكاد قلبه أن يقف من هيبة ما يسمع. قرية بلا أسوار؟ في زمن يعرف كل طفل فيه أن السور هو الأمان، هو الفصل بين الداخل الآمن والخارج المتوحش؟ لكن الكلام استمر. “وأنا، يقول الرب، سأكون لها سور نارٍ من حولها، وسأكون مجداً في وسطها.”
شعر زكريا برعشة تسري في جسده. ليست رعشة خوف، بل كتلك التي تنتاب الإنسان حين يدرك حقيقة كانت تخفى عليه. رأى بعين قلبه مدينة تفيض حياة، لا تكبحها أحجار، ولا تحدها حدود. الناس يأتون أرسالاً، من كل الجهات، ليسكنوا في رحابها. ويتكلم الرب، وكلماته تملأ أذن زكريا كرائحة البخور في الهيكل. “اهتف وافرحي يا ابنة صهيون، فها أنا آتي وأسكن في وسطك.”
وتتدفق الصور في ذهنه: شعوب كثيرة تلتحق بالرب في ذلك اليوم، ويكونون له شعباً، ويسكن في وسطهم. ويرث يهوذا نصيبه في الأرض المقدسة، ويختار أورشليم من جديد. ويمتد الكلام ليصل إلى كل بشر، كنداء صامت في أعماق الوجود: “اسكتي يا كل جسد أمام الرب، لأنه قد انتبه من مسكن قدسه.”
وبينما كان زكريا واقفاً هناك، تحت شجرة خروب وحيدة، بدأ الضباب يعود بخفة. لكن نوراً مختلفاً بقي في صدره. نظر نحو الأفق الشرقي، حيث كانت أول خيوط الشمس الذهبية تلمس قمم الجبال. تذكر وعوداً قديمة، وعهداً لا يتزعزع. لم تعد أورشليم مجرد حجارة يريد الناس أن يبنوها، بل هي فكرة إلهية، حلم الرب الذي سيتحقق ليس بقوة البشر ولا بمنعة الأسوار، بل بحضرته هو.
مشى عائداً إلى حيث يسكن، وقدماه تكادان لا تلمسان التراب. وفي الطريق، رأى جماعة من الراجعين من السبي، يحملون حجارة لبناء بيوتهم. توقف عندهم للحظة. نظر أحدهم إليه وسأله: “أيها النبي، ماذا رأيت اليوم؟”
ابتسم زكريا ابتسامة هادئة، وعيناه تشعان ببصيرة عميقة. “رأيت أن النور القادم أكبر من كل ظلامنا. وأن الذي يحرسنا، لا ينام.” ثم واصل سيره، تاركاً الرجل واقفاً يتأمل كلماته، بينما كانت أورشليم الناقصة، المكسورة، تبدأ يومها الجديد تحت سماء مفتوحة، بلا سور يرتفع بعد، لكن بموعد لا ينقض.




